الأكثرين ، وما يدخل عليه من التشابه والايهام غير منكشف إلا لمن علمه اللّه تعالى التأويل وفهمه وفقهه في الدين ، فقد أنكر منكرون تصوّر الرضا بما يخالف الهوى ، ثم قالوا : إن أمكن الرضا بكل شيء لأنه فعل اللّه فينبغي أن يرضى بالكفر والمعاصي وانخدع بذلك قوم فرأوا الرضا بالفجور والفسوق وترك الاعتراض والانكار من بابي التسليم لقضاء اللّه تعالى . ولو انكشفت هذه الأسرار لمن اقتصر على سماع ظواهر الشرع لما دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لابن عباس حيث قال : « اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل » .
شرح
جملة الأحوال وليس ذلك كسبا للعبد ، بل هو نازلة تحل بالقلب كسائر الأحوال ، ويمكن الجمع بين القولين فيقال بداية الرضا مكتسب للعبد وهي من المقامات ونهايته من جملة الأحوال وليست بمكتسبة ، ( و ) أما ( حقيقته ) فإنها ( غامضة على الأكثرين وما يدخل عليه من التشابه والإيهام غير منكشف إلا لمن علمه اللّه تعالى التأويل وفقهه في الدين ، فقد أنكر منكرون قصور الرضا بما يخالف الهوى ، ثم قالوا : إن أمكن الرضا بشيء لأنه فعل اللّه تعالى فينبغي أن يرضى بالكفر والمعاصي ، وانخدع بذلك قوم فرأوا الرضا بالفجور والفسوق وترك الاعتراض والإنكار من باب التسليم لقضاء اللّه تعالى ، ولو انكشفت هذه الأسرار لمن اقتصر على سماع ظواهر الشرع لما دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لابن عباس ) رضي اللّه عنه ( حيث قال : « اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل » ) هكذا رواه أحمد وابن حبان والحاكم وقد تقدم في كتاب العلم . وقد روى البخاري من حديثه بالشطر الأول فقط ، ورواه أحمد أيضا والطبراني وأبو نعيم بلفظ « اللهم اعط ابن عباس الحكمة وعلمه التأويل » ورواه كذلك ابن سعد والحاكم . وروي من حديث ابن عمر « اللهم بارك فيه وانشر منه » قاله لابن عباس . رواه صاحب الحلية ، وروى ابن ماجة وابن سعيد والطبراني من حديث ابن عباس « اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب » .
وقال صاحب القوت : واعلم أن الرضا من مقامات اليقين وأحوال المحبين ومشاهدة المتوكلين وهو داخل في كل أفعال اللّه تعالى لأنها عن قضائه لا يكون في ملكه إلا ما قضاه ، فعلى العارفين به الرضا بالقضاء ، ثم يرد ذلك إلى تفصيل العلم وترتيب الأحكام فما كان من خير وبر أمر به أو ندب إليه رضي به العبد وأحبه شرعا وفعلا ووجب عليه الشكر ، وما كان من شر نهى عنه وتهدد عليه ، فعلى العبد أن يرضى به عدلا وقدرا ويسلمه لمولاه حكمة وحكما ، وعليه أن يصبر عنه ويقرّبه ذنبا ويعترف به لنفسه ظلما ويرضى بعود الأحكام عليه بالعقاب وان اجترحه بجوارحه اكتسابا ويرضى بأن للّه سبحانه عليه الحجة البالغة وأن لا عذر له فيه ويرضى بأنه في مشيئة اللّه من عفو عنه برحمته وكرمه إن شاء ، أو عقوبة بعدله وحقه إن شاء لأن الموقنين المحبين لا يسقطون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا ينكرون إنكار المعاصي وكراهتها بالألسنة والقلوب من قبل أن الإيمان فرضها والشرع ورد بها ، ولأن الحبيب كرهها فكانوا معه فيما كره كما كانوا معه فيما أحب ، ومقام اليقين لا يسقط فرائض الإيمان ، ومشاهدة التوحيد لا تبطل شرائع الرسول ولا