تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 509

مساهمون:

ص٥٠٩
القول في معنى الرضا بقضاء اللّه تعالى وحقيقته وما ورد في فضيلته : اعلم أن الرضا ثمرة من ثمار المحبة وهو من أعلى مقامات المقربين وحقيقته غامضة على
شرح
والحضر والسفر والفراغ والشغل ، لأن الفراغ شرط في البداية لا في النهاية ، ومن استقرأ أحوال الأنبياء والأولياء وجدها كما وصفنا واللّه الموفق .

القول في معنى الرضا بقضاء اللّه تعالى وحقيقته وما ورد في تفضيله :

( اعلم ) وفقك اللّه تعالى ( أن الرضا ثمرة من ثمار الجنة وهو من أعلى مقامات المقربين ) وهو الثامن من مقامات اليقين ، وجعل صاحب القوت المحبة حالا من مقام الرضا ، فلذلك قدم الرضا على المحبة ، وأما صاحب مقاصد المنجيات فذكر الرضا في آخر مقام التوكل وجعله من لواحقه وهذا لفظه : الرضا هو الغاية القصوى في الدنيا والأخرى بعد النظر إلى وجه اللّه تعالى ، وله بالنسبة إلى السالك منازل ثلاثة . الأولى : نهاية الصبر أول مقام الرضا والسالك يرتقي من الصبر إليه . الثانية : بعد التوكل والتفويض والتسليم لأن الرضا لا يصلح إلا بعد القضاء ، فإذا توكل العبد على مولاه واستسلم لقضاء ربه ، فحينئذ تجري عليه المقادير بما حكم في الأزل ، فحينئذ يحب الرضا . الثالثة : يكون ثمرة المحبة وهو الأغلب في الوقوع والأشرف عند اللّه تعالى ، لأن بذلك تحلو البلايا والرزايا وما سوى هذا حديث نفس لو طولب النفس بالامتحان فيه لم يجده الطالب شيئا ، فلما رأيته بهذه المنازل الثلاثة توسطت الأمر وجعلته بعد التوكل ، لأن الحاجة إليه في هذه الحالة مما تعم به البلوى ، وهو أيضا كغيره من المقامات ينتظم من علم وحال وعمل . أما العلم ؛ فاعلم أن العلم الذي يورث حال الرضا هو العلم بكمال صفات اللّه تعالى وجمالها وجلالها فيما حكم به في الأزل من شقاء وإسعاد وتقريب وإبعاد وشدة وإرخاء ، وأن ذلك على أكمل الحالات وأرفع الدرجات ، وهذا العلم بعينه هو الذي يوجب التسليم والتفويض إلا أن الفرق بينهما وبين الرضا أن التفويض والتسليم قبل وقوع المقضى به والرضا بعد وقوع المقضى به ، وبالرضا يظهر صدق المقامات كلها . واعتقاد هذا العلم واجب لأنه من الإيمان باللّه يراد لذاته ولغيره . أما كونه مرادا لذاته فلأنه معرفة باللّه مقصودة في نفسها ، وأما كونه يراد لغيره فلأنه يذهب عن القلب الهم والغم والحزن والسخط ويجلب أضدادها من الفرح والسرور والإستبشار ويستفيد بذلك عد الأنفاس مع اللّه والسلامة من إضاعة الأوقات . وقال القشيري : قد اختلف العراقيون والخراسانيون في الرضا هل هو من الأحوال أو من المقامات ؟ فأهل خراسان قالوا : الرضا من جملة المقامات وهو نهاية التوكل ومعناه يؤل إلى أنه مما يتوصل إليه العبد باكتسابه . وأما العراقيون ، فإنهم قالوا الرضا من