تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 508

مساهمون:

ص٥٠٨
إلا اللّه » فهذه أسرار القرآن ولا تتناهى أمثال هذه الأسرار في القرآن
وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
[ الأنعام : 59 ] ، ولذلك قال ابن مسعود رضي اللّه عنه : نوروا القرآن والتمسوا غرائبه ففيه علم الأوّلين والآخرين ، وهو كما قال : ولا يعرفه إلا من طال في آحاد كلماته فكره وصفا له فهمه حتى تشهد كل كلمة منه بأنه كلام جبار قاهر مليك قادر وإنه خارج عن حد استطاعة البشر . وأكثر أسرار القرآن معبأة في طي القصص والأخبار ، فكن حريصا على استنباطها لينكشف لك فيه من العجائب ما تستحقر معه العلوم المزخرفة الخارجة عنه . فهذا ما أردنا ذكره من معنى الأنس والانبساط الذي هو ثمرته وبيان تفاوت عباد اللّه فيه واللّه سبحانه وتعالى أعلم .
شرح
الاطلاع على دقائقه لا بمعنى معرفة الأشياء إفرادا . ثم جمعها عددا ؛ فهذا لا مانع منه فاللّه دال على الذات الجامعة لصفات الإلهية كلها جلالا وجمالا وكمالا حتى لا يشذ منها شيء ، وسائر الأسماء لا يدل آحادها إلا على المعاني من علم وقدرة أو فعل أو غيره ، وقد فهم منه أنه الوجود الحقيقي الحق وكل ما سواه فإنه هالك وباطل إلا به ؛ ( فهذه أسرار القرآن ) وجواهره ( ولا تتناهى أمثال هذه الأسرار في القرآنوَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍولذلك قال ابن مسعود رضي اللّه عنه نوروا القرآن والتمسوا غرائبه ففيه علم الأولين والآخرين ) وقد روى الديلمي من حديث أنس « من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن » ( وهو كما قال ولا يعرفه إلا من طال في آحاد كلماته فكره وصفا له فهمه حتى تشهد له كل كلمة منه بأنه كلام جبار قاهر مليك قادر ، وأنه خارج عن حد استطاعة البشر ، وأكثر أسرار القرآن معبأة في طي القصص والأخبار ) وهي المرادة من قول ابن مسعود والتمسوا غرائبه ، ( فكن حريصا على استنباطها ) من معادنها ( لينكشف لك فيه من العجائب ما تستحقر معه العلوم المزخرفة الخارجة عنه ؛ فهذا ما أردنا أن نذكره من معنى الأنس و ) معنى ( الانبساط ) والإدلال الذي هو ثمرته ، ( وبيان تفاوت عباد اللّه تعالى فيه ) وظهر مما ذكر أن من أفعال اللّه تعالى الجائزة له أن يرضى على قوم بفعل ويغضب به على غيرهم اختلاف أحوالهم أو لحكمته السابقة فيهم بالتقريب والإبعاد ، ولذلك يغار على كلامه أن يسمعه إلا أهل خاصته . قال اللّه تعالىوَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً[ الأسراء : 45 ] لأنهم لم ينتفعوا بما سمعوه من الآيات ولا بالنظر إلى ملكوت السماوات والأرض للأكنة التي منع اللّه بها انتفاعهم ، وعبر عن الستر في ذلك فقال تعالىوَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ[ الأنفال : 23 ] وهذا حجاب الغيرة ، وحقيقتها حفظ الوقت مع الحق أن يشوبه مشوش شحا عليه ، فإذا الغيرة من ثمرات الأنس ، وهذه الأحوال لها بالنسبة إلى العبد ثلاثة أحوال إن وجدها في الملأ دون الخلاء فهو معلول يجب عليه المحاسبة ، وأن يطالب نفسه بالعلامات وإن وجدها في الخلاء دون الملأ فهو حسن ، ولكنه ناقص من ذروة الكمال إذ الكمال أن يستوي في ذلك الخلاء والملأ