إليها من نفسك ، الوحدة رأس العبادة ، فقلت : يا راهب ما أقل ما تجده في الوحدة ؟
قال : الراحة من مداراة الناس والسلامة من شرهم ، قلت : يا راهب متى يذوق العبد حلاوة الأنس باللّه تعالى ؟ قال : إذا صفا الود وخلصت المعاملة ، قلت : ومتى يصفو الود ؟ قال : إذا اجتمع الهم فصار هما واحدا في الطاعة . وقال بعض الحكماء عجبا للخلائق كيف أرادوا بك بدلا ؟ عجبا للقلوب كيف استأنست بسواك عنك .
فإن قلت : فما علامة الأنس ؟
فاعلم إن علامته الخاصة ضيق الصدر من معاشرة الخلق والتبرم بهم واستهتاره بعذوبة الذكر ، فإن خالط فهو كمنفرد في جماعة ومجتمع في خلوة ، وغريب في حضر وحاضر في سفر ، وشاهد في غيبة وغائب في حضور ، مخالط بالبدن مفرد بالقلب ، مستغرق بعذوبة
شرح
قلت : يا راهب ما أقل ما تجد في الوحدة ؟ قال : الراحة من مداراة الناس والسلامة من شرهم .
قلت : يا راهب متى يذوق العبد حلاوة الأنس باللّه تعالى ؟ قال : إذ صفا الود وخلصت المعاملة ) أي عن شوب المشاركة . ( قلت : ومتى يصفو الود ؟ قال : إذا اجتمع الهم فصار هما واحدا في الطاعة ) قال الخطابي في كتاب العزلة : ولو لم يكن في العزلة إلا السلامة من آفة الرياء والتصنع للناس وما يدفع إليه الإنسان إذا كان فيهم من استعمال المداهنة معهم وخداع المواربة في رضاهم لكان في ذلك ما يرغب في العزلة ويحرك إليها انته . وقد تقدم شيء من هذا في كتاب العزلة .
( وقال بعض الحكماء ) من المحبين في مناجاته : ( عجبا للخلائق كيف أرادوا بك بدلا عجبا للقلوب كيف استأنست بسواك عنك ) .
( فإن قلت : فما علامات الأنس ) وشواهده ؟
( فاعلم أن علامته الخاصة ضيق الصدر من معاشرة الخلق ) إن لم يمكنه الهروب منهم ( والتبرم بهم ) أي التضجر من مخالطتهم ( واستهتاره بعذوبة الذكر ) حتى يمتزج به لحمه ودمه بحيث لو طرقته ساعة وهو لم يذكر يتغير حاله ويتأسف عليه ، ( فإن خالط ) وهو هكذا ( فهو كمنفرد في جماعة ) وحيّ في أموات ، ( ومجتمع في خلوة وغريب في حضر ، وحاضر في سفر وشاهد في غيبة ، وغائب في حضور مخالط بالبدن منفرد بالقلب مستغرق بعذوبة الذكر ) وهو آخر المقامات الثمانية التي عليها مبنى طريقة السادة النقشبندية ، ويعبرون عنها بقولهم خلوة وراء تجمر يعني الخلوة في الجلوة الظاهر مع الخلق والباطن مع الحق اليد بالشغل والقلب بالحق وأنشدوا :ومن داخل كن صاحبا غير غافل * ومن خارج خالط كبعض الأجانبوإلى هذا أشارت رابعة العدوية رضي اللّه عنها حيث قالت :إني جعلتك في الفؤاد محدثي * وأبحت جسمي من أراد جلوسي
فالجسم مني للجليس مؤانس * وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي