تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 495

مساهمون:

ص٤٩٥
الذكر ، كما قال علي كرّم اللّه وجهه في وصفهم : هم قوم هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فباشروا روح اليقين واستلانوا ما استوعر المترفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى ، أولئك خلفاء اللّه في أرضه والدعاة إلى دينه . فهذا معنى الأنس باللّه وهذه علامته وهذه شواهده .
شرح
وحكى البيهقي في الشعب عن علي بن سهل : الأنس باللّه أن يستوحش من الخلق إلا من أهل ولاية اللّه عز وجل فإن الأنس بأهل ولاية اللّه هو الأنس باللّه تعالى ، ( كما قال علي كرم اللّه وجهه في وصفهم : هم قوم ) وذلك فيما رواه أبو نعيم في الحلية من طرق عن كميل بن زياد قال : أخذ علي بن أبي طالب بيدي فأخرجني إلى ناحية الجبان ، فلما أصحرنا جلس ثم تنفس ثم قال : يا كميل بن زياد القلوب أوعية فخيرها أوعاها فساق الحديث إلى أن قال : أولئك هم الأقلون عددا الأعظمون عند اللّه قدرا بهم يدفع اللّه عن حجبه حتى يؤدوها إلى نظائرهم ويزرعوها في قلوب أشباههم ( هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فباشروا روح اليقين واستلانوا ما استوعر ) منه ( المتفرقون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها متعلقة بالمحل الأعلى ) وفي رواية بالملأ الأعلى ، ( أولئك خلفاء اللّه في أرضه والدعاة إلى دينه ) هاه هاه شوقا إلى رؤيتهم ، وأستغفر اللّه لي ولكم إذا شئت فقم وقد ذكر الحديث بطوله مع ذكر أسانيده ، وشرح ألفاظه واختلاف رواياته في أول كتاب العلم فراجعه إن شئت ؛ ( فهذا معنى الأنس باللّه وهذه علاماته وهذه شواهده ) ، ولنذكر قاعدة تجمع ما أشار إليه المصنف في هذا الفصل فنقول . اعلم أن معرفة العارفين بقرب اللّه تعالى منهم سبب لقربهم من اللّه واتصالهم به وعنه تتشعب جملة أحوالهم : لأن الأحوال نتيجة الصفة المشهودة مع القرب ، فالقرب أصل لا يفارقه العارفون فإن اقترن به شهود الجمال أثمر المحبة والأنس ، وإن اقترن بالقرب شهود الجلال أثمر المهابة ، وإن اقترن به شهود الكبرياء أثمر الصغار والامحاق ، وإن اقترن به ترك المبالاة وشهود السلطان أثمر المخافة ، وإن كان معه العلم أثمر الأمان ، وإن اقترن به شهود الغيب أثمر الغنى عن الأكوان ، وإن اقترن به شهود مزايا الألطاف خيف على عقله من فرحه بالجود والأفضال ، وأما الأبرار وأحوالهم تنشأ عن العلم بوجود الرب مطلقا مع اقتران العلم باقتداره على المنع والعطاء والسعادة والاشقاء ، فيتولد من ذلك ما يحثهم على خوفه ورجائه ، وإذا كان القرب بهذه المنزلة العظيمة فلا بد من ذكر لمعة منه يستعان بها على إدامة الأحوال . نقل القشيري عن أبي سعيد الخراز أنه قال : إن حقيقة القرب فقد حس الأشياء من القلب وهدوّ الضمير إلى اللّه تعالى . قال الكمال محمد بن إسحاق : وهذا الذي ذكره هو الوسيلة لنيل القرب لأنفس القرب لأنه سبق أن الطهور شطر الإيمان ، والذي ذكره طهور للقلب عما سوى اللّه تعالى ، وإذا تطهر عما سوى اللّه تعالى كان اللّه حاضرا مع العبد لأنه ليس بين العبد وربه إلا حجاب نفسه وعوارضها . فإذا فني عن نفسه وعن عوارضها عرف