تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 493

مساهمون:

ص٤٩٣
الغائب حاضرا فإلى من يشتاق ؟ وهذا كلام مستغرق بالفرح بما ناله غير ملتفت إلى ما بقي في الإمكان من مزايا الألطاف . ومن غلب عليه حال الأنس لم تكن شهوته إلا في الانفراد والخلوة ، كما حكي أن إبراهيم بن أدهم نزل من الجبل فقيل له : من أين أقبلت ؟ فقال : من الأنس باللّه ، وذلك لأن الانس باللّه يلازم التوحش من غير اللّه ، بل كل ما يعوق عن الخلوة فيكون من أثقل الأشياء على القلب ، كما روي أن موسى عليه السلام لما كلمه ربه مكث دهرا لا يسمع كلام أحد من الناس إلا أخذه الغثيان ، لأن الحب يوجب عذوبة كلام المحبوب وعذوبة ذكره فيخرج من القلب عذوبة ما سواه . ولذلك قال بعض الحكماء في دعائه يا من آنسني بذكره وأوحشني من خلقه ، وقال اللّه عز وجل لداود عليه السلام : كن لي مشتاقا وبي مستأنسا ومن سواي مستوحشا ، وقيل لرابعة : بم نلت هذه المنزلة ؟ قالت ، بتركي ما لا يعنيني وأنسني بمن لم يزل . وقال عبد الواحد بن زيد : مررت براهب فقلت له يا راهب لقد أعجبتك الوحدة ؟ فقال : يا هذا لو ذقت حلاوة الوحدة لاستوحشت
شرح
( وهذا كلام ) غريب الحال ( مستغرق بالفرح بما ناله غير ملتفت إلى ما بقي في الإمكان من مزايا الألطاف ، ومن غلب عليه حال الأنس لم تكن شهوته إلا في الانفراد ) عن الخلق ( والخلوة ) مع اللّه تعالى ، ( كما حكي أن إبراهيم بن أدهم ) رحمه اللّه تعالى إذ ( نزل من الجبل ) وكان مختليا به ( فقيل : من أين أقبلت ؟ فقال : من الأنس باللّه ) يشير إلى مقام الانفراد . رواه أبو نعيم في الحلية من طريق عبد الصمد عن أبيه قال : رؤي إبراهيم ابن أدهم خارجا من الجبل فذكره ، ( وذلك لأن الأنس باللّه يلازمه التوحش من غير اللّه تعالى ، بل كل ما يعوق عن الخلوة فيكون من أثقل الأشياء على القلب ، كما روي ) في بعض الأخبار ( أن موسى عليه السلام لما كلمه ربه ) عز وجل ( مكث دهرا ) أي زمانا طويلا ( لا يسمع كلام أحد من الناس إلا أخذه الغثيان ) وهو تلاعب النفس من باطن وهو من مبادئ القيء ، ( لأن الحب يوجب عذوبة كلام المحبوب وعذوبة ذكره ، فيخرج من القلب عذوبة ما سواه ، ولذلك قال بعض الحكماء ) من المحبين ( في ) جملة ( دعائه : يا من آنسي بذكره وأوحشني من خلقه ) وما أوحشه من خلقه إلا وقد أراد منه أن يأنس به ، ( و ) في الأخبار ( قال اللّه عز وجل لداود عليه السلام ) : يا داود ( كن بي مستأنسا ومن سواي مستوحشا ، وقيل لرابعة ) العدوية رضي اللّه عنها : ( بم نلت هذه المنزلة ) يعني في المحبة ؟ ( قالت : بتركي ما لا يعنيني ) أي لا يهمني ( وأنسي بمن لم يزل ) جل شأنه . ( وقال عبد الواحد ابن زيد ) البصري رحمه اللّه تعالى : ( مررت ) في سياحتي ( براهب فقلت : يا راهب لقد أعجبتك الوحدة . فقال : يا هذا لو ذقت حلاوة الوحدة لاستوحشت إليها من نفسك الوحدة رأس العبادة .