تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 496

مساهمون:

ص٤٩٦
وقد ذهب بعض المتكلمين إلى إنكار الأنس والشوق والحب لظنه أن ذلك يدل على التشبيه ، وجهله بأن جمال المدركات بالبصائر أكمل من جمال المبصرات ، ولذة معرفتها أغلب على ذوي القلوب ومنهم أحمد بن غالب ، يعرف بغلام الخليل أنكر على الجنيد وعلى أبي الحسن النوري والجماعة حديث الحب والشوق والعشق حتى أنكر بعضهم مقام الرضا ، وقال : ليس إلا الصبر فأما الرضا فغير متصور . وهذا كله كلام ناقص قاصر لم يطلع من مقامات الدين إلا على القشور فظن أنه لا وجود إلا للقشر ، فإن المحسوسات وكل ما يدخل في الخيال من طريق الدين قشر مجرد ووراءه اللب المطلوب ، فمن لم يصل من الجوز إلا إلى قشره يظن أن الجوز خشب كله ، ويستحيل عنده خروج الدهن منه لا محالة وهو معذور ولكن عذره غير مقبول وقد قيل :
شرح
قرب اللّه ، وجملة ذلك أن كل ذرة من بدن العالم وبدن الإنسان قد تعلق العلم بها كشفا والإرادة تخصيصا والقدرة إيجادا وإبقاء والصفات لا تفارق الموصوف بل صفاته قائمة بذاته ، فإذا نطق العارف فلا ينطق بنفسه وإن سمع فلا يسمع بنفسه ، وهكذا ورد الحديث الصحيح كما تقدم ؛ فهذا نظر العارف المقرب ، ولذلك قال تعالى :وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ[ ق : 16 ] وقال تعالى :وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ[ الواقعة : 85 ] جاءت الآيات على وزن أفعل للمبالغة في القرب لعسر الفرق ودقته بين الدال والمدلول ، فالعارفون يرون ربهم في الدنيا بعين الإيقان والبصائر ، ويرونه في الأخرى بالأبصار رأي العين فهو قريب منهم في الدارين وليس قربه في الأخرى مخالفا لقربه في الدنيا إلا بمزيد اللطف والعطف ، وإلا فقد ارتفعت هنا وهناك قرب المسافة ولم يكن بينه وبين مخلوق إضافة لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وهذه المعرفة مثمرة الأنس بشرط الصفاء لا محالة . ( وقد ذهب بعض المتكلمين إلى إنكار الأنس والشوق والرضا والحب لظنه أن ذلك يدل على التشبيه وجهله بأن جمال المدركات بالبصائر أكمل من جمال المبصرات ) بالحواس ، ( ولذة معرفتها أغلب على ذوي العقول ) كما تقدمت الإشارة إليه في أول هذا الكتاب ، ( ومنهم أحمد بن غالب ) وكان من أئمة النحو والكلام ( يعرف بغلام الخليل ) هو الخليل بن أحمد النحوي شيخ النحاة ، وإنما عرف بالغلام لأنه لزم الخليل فأكثر القراءة عليه ولو لم يخدمه ( أنكر على ) أبي القاسم ( الجنيد وعلى أبي الحسين النوري والجماعة ) ممن نحا نحوهم ( حديث الحب والشوق والعشق حتى أنكر بعضهم مقام الرضا وقال : ليس إلا الصبر فأما الرضا فغير متصور ) كما سيأتي في باب الرضا ، ( وهذا كله كلام ناقص قاصر لم يطلع من مقامات الرضا إلا على القشور ، فظن أنه لا وجود إلا للقشر فإن المحسوسات وكل ما يدخل في الخيال في طريق الدين قشر مجرد ووراءه القلب المطلوب ، فمن لم يصل من الجوز إلا إلى قشره يظن أن الجوز خشب كله ، ويستحيل عنده خروج الدهن منه لا محالة وهو معذور )