إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 497
الانس باللّه لا يحويه بطال * وليس يدركه بالحول محتال والآنسون رجال كلهم نجب * وكلهم صفوة للّه عمال بيان معنى الانبساط والإدلال الذي تثمره غلبة الأنس : اعلم أن الانس إذا دام غلب واستحكم ولم يشوشه قلق الشوق ولم ينغصه خوف التغير والحجاب فإنه يثمر نوعا من الانبساط في الأقوال والأفعال والمناجاة مع اللّه تعالى وقد يكون منكر الصورة لما فيه من الجراءة وقلة الهيبة ولكنه محتمل ممن أقيم في مقام الانس ، ومن لم يقم في ذلك المقام ويتشبه بهم في الفعل والكلام هلك به وأشرف على الكفر . لعدم اطلاعه والوقوف على الكنه ، ( ولكن عذره غير مقبول ) عند ذوي التحقيق ( وقد قيل ) في ذلك : ( الانس باللّه لا يحويه بطال * وليس يدركه بالحول محتال والآنسون رجال كلهم نجب * وكلهم صفوة للّه عمال ) بيان معنى الانبساط والإدلال الذي تثمره غلبة الانس : ( اعلم ) أرشدك اللّه ( أن الأنس ) يثمر السكينة والطمأنينة والانبساط والادلال ، وذلك لأن لذة الأنس تطير الباب العارفين وتوجب لهم الطغيان لأن الانسان يطغى عند الغنى فيمدهم اللّه بعنايته وتوفيقه وينزل عليهم سكينة فيثبتهم بها ويوقفهم على حد الاعتدال في آداب الحضرة . قال اللّه تعالى : ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى [ النجم : 17 ] وهذه سعادة لا يعطاها كل أحد لأن الأدب يزيد في القرب من المحبوب . قال اللّه تعالى : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً [ الفتح : 4 ] ولفظ السكينة ورد في كتاب اللّه تعالى على أحوال مختلفة لاشتراكها في نفس السكون والطمأنينة فوق السكينة لأن السكينة صولة تعدل طغيان القلب وتثبته ، والطمأنينة وجود من بعد اعتدال بفرح واستبشار لمعرفة القلب بالمزيد والطمأنينة مستصحبة مع الأنس لأنها مقصودة في نفسها ، والسكينة وسيلة تحثه على الأدب والاعتدال ، وأما الانبساط والإدلال فإن الأنس ( إذا دام وغلبه واستحكم ولم يشوشه قلق الشوق ) لقصور نظره على طيب حاله ، ( ولم ينغصه خوف التغير والحجاب ، فإنه يثمر نوعا من الانبساط في الأقوال والأفعال والمناجاة مع اللّه تعالى ، وقد يكون منكر الصورة ) لا يليق بحال التعظيم والإجلال الموجبين للهيبة ( لما فيه من الجراءة وقلة الهيبة ، ولكنه محتمل ممن أقيم في مقام الأنس ) وقد يليق بالمستأنس المنبسط ما لا يليق بالنائب المتضائل ، وذلك مثل قول عائشة رضي اللّه عنها لما سمعت قوله تعالى تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ [ الأحزاب : 51 ] قالت : إن ربك ليسارع في رضاك أو هواك ، ( ومن لم يقم في ذلك المقام وتشبه بهم في الفعل هلك به وأشرف على الكفر ) عياذا باللّه منه .