تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 492

مساهمون:

ص٤٩٢
والاستغناء وعدم المبالاة وخطر إمكان الزوال والبعد تألم القلب بهذا الاستشعار فيسمى تألمه خوفا . وهذه الأحوال تابعة لهذه الملاحظات ، والملاحظات تابعة لأسباب تقتضيها لا يمكن حصرها ، فالأنس معناه استبشار القلب وفرحه بمطالعة الجمال ، حتى إنه إذا غلب وتجرد عن ملاحظة ما غاب عنه وما يتطرق إليه من خطر الزوال عظم نعيمه ولذته ومن هنا نظر بعضهم حيث قيل له : أنت مشتاق ؟ فقال : لا إنما الشوق إلى غائب ، فإذا كان
شرح
والاستغناء وعدم المبالاة وخطر إمكان الزوال والبعد تألم القلب بهذا الإستبشار فيسمى تألمه خوفا ) وقد تقدم تحقيقه في كتاب الخوف . ( وهذه الأحوال تابعة لهذه الملاحظات ، والملاحظات تابعة لأسباب تقتضيها لا يمكن حصرها ) لكثرتها ، ( فالأنس معناه استبشار القلب وفرحه بمطالعة الجمال ) والكمال والقرب مما انكشف له منها ، ( حتى أنه إذا غلب وتجرد ) وقصر نظره ( عن ملاحظة ما غاب عنه ) من مزيد الألطاف ( وما يتطرق إليه من خطر الزوال عظم نعيمه و ) قويت ( لذاته ) واستحقر في جنب لذته وتنعمه لقرب حبيبه جميع ما سواه حتى لو انفهقت له الجنان جميعها لم تذهله ولم تشغله عن التذاذه بجمال محبوبه ، لأنا إذا رأينا صفة جميلة محكمة أحببنا الصانع لذلك ، فإن رأينا ما هو أجمل منه وأحسن وأشرف وأحكم ازددنا فيه حبا . هذا في دار الاختبار ومحل الإستدلال ، فكيف بالعارفين في دار القرار ومحل الكشف والعيان ؟ ويبطل حكم الدليل والإستدلال ويرجع الحق تعالى مشهودا للعباد كما قال تعال :وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ[ القيامة : 22 ، 23 ] فحينئذفَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ[ السجدة : 17 ] ( ومن هنا نظر بعضهم ) وهو الأنطاكي كما صرح به صاحب العوارف ( حيث قيل له : أنت مشتاق ! فقال : لا إنما الشوق إلى غائب ، فإذا كان الغائب حاضرا فإلى من يشتاق ) نقله القشيري في الرسالة ، وقد تقدم وحكاه صاحب العوارف فقال : وأنكر بعضهم مقام الشوق ، وقال : إنما الشوق إلى الغائب ، ومتى يغيب الحبيب من الحبيب حتى يشتاق ؟ ولهذا سئل الأنطاكي عن الشوق فقال : إنما يشتاق الغائب وما غبت عنه منذ وجدته . قال : وإنكار الشوق مطلقا لا أرى له وجها لأن رتب العطايا والمنح من أنصبه القرب إذا كانت غير متناهية ، كيف ينكر الشوق من المحب فهو غير غائب وغير مشتاق بالنسبة إلى ما وجد ، ولكن يكون مشتاقا إلى ما لم يجد من أنصبة القرب ، وكيف يمنع حال الشوق والأمر هكذا ، ووجه آخر أن الإنسان لا بد له من أمور يردها بحكم الحال لموضع بشريته وطبيعته وعدم وقوفه على حدّ العلم الذي يقتضيه حكم الحال ، ووجود هذه الأمور مثيرة لنار الشوق ولا نعني بالشوق إلا مطالبة تنبعث من الباطن إلى الأولى والأعلى من أنصبة القرب ، وهذه المطالبة كائنة في المحبين ، فالشوق إذا كائن لا وجه لإنكاره ، وقد قال قوم : شوق المشاهدة واللقاء أشد من شوق البعد والغيبوبة ، فيكون في حال الغيبوبة مشتاقا إلى اللقاء ، ويكون في حال اللقاء والمشاهدة مشتاقا إلى زوائد ومباد من الحبيب وإفضاله ، وهذا هو الذي أراده واختاره انته .