تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 480

مساهمون:

ص٤٨٠
ولكن للّه تعالى فيما هو شر في الظاهر أسرار وحكم ، كما أن له في الخير أسرارا وحكما ، ولا منته لحكمته كما لا غاية لقدرته . ومنها : كتمان الحب واجتناب الدعوى والتوقي من إظهار الوجد والمحبة تعظيما للمحبوب وإجلالا له وهيبة منه وغيرة على سره ، فإن الحب سر من أسرار الحبيب ولأنه قد يدخل في الدعوى ما يتجاوز حد المعنى ويزيد عليه فيكون ذلك من الافتراء وتعظم العقوبة عليه في العقبى وتتعجل عليه البلوى في الدنيا . نعم قد يكون للمحب سكرة في حبه حتى يدهش فيه وتضطرب أحواله فيظهر عليه حبه ، فإن وقع ذلك عن
شرح
حسنة ورحمة واسعة ، ( ولكن للّه تعالى فيما هو شر في الظاهر ) حسبما يبدو لنا ( أسرار وحكم كما أن لنا في الخير أسرارا وحكما ولا منته لحكمته كما لا نهاية لقدرته ) ، وذكر صاحب القوت بعد أن أورد المقامات السبعة للمحبين في الخوف ما نصه : فالخوف من هذه المعاني علامة المعرفة بأخلاقه المكونة المقلبة ولا يصلح شرح هذه المقامات في كتاب ولا تفصيلها برسم خطاب إنما يشرح في قلب بيقينه قد شرح ويفصل لعبد من نفسه قد فصل ، فأما قلب مشترك وعبد في هواه مرتبك فليس لذلك أهلا واللّه المستعان . قال : وثم خوف ثامن عن شهادة حب عال يقرب اسمه ويلتبس ويخفي وصفه لقلة اشتهاره في الأسماع فيجمل أنسه لأنه خوف عن مقام له اسم من المحبة يتشنع على كثير من سامعيه فينكروه ويتشنج في أوهام غير مشاهديه فيمثلوه بالخلق ، فإن ذكرنا خوفه تم على ذكر مقامه فظهر بإظهاره ، فكان طيه أفضل من نشره إلى أن يسأل عنه من ابتلى به ثم صدر عنه بعد أن شرب منه لأن مقامات المحبة كلها إلى جنب مقامه كنهر أضيف إلى بحر مثله كمثل مشاهدات اليقين كلها إلى جنب شهادة التوحيد بالتوحيد ، وهو وصف من المحبة يقرب لأنه من شوق الحبيب إلى المحب ، وهو من معنى قول رابعة رحمها اللّه تعالى أحب الهوى ، ومن معنى قول عائشة رضي اللّه عنها للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : إن ربك يسارع إلى هواك . ( ومنها ) أي ومن علامات المحبة ( كتمان الحب ) للغيرة والستر لنفيس الذخيرة ( واجتناب الدعوى ) فإنها كما قالوا فضيحة ولو كانت نصيحة ( والتوقي من إظهار الوجد والمحبة تعظيما للمحبوب وإجلالا له وهيبة منه وغيرة على سره ، فإن الحب سر من أسرار الحبيب ولأنه قد يدخل في الدعوى ما يتجاوز حدّ المعنى ويزيد عليه ، فيكون ذلك من الافتراء وتعظم العقوبة عليه في العقبى وتتعجل عليه البلوى في الدنيا ) وقد قرن اللّه الدعوى بفرية الكذب لأنها كذب القلب بمنزلة كذب اللسان في قوله :وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ[ العنكبوت : 68 ] ونهى عنها كنهيه عن التولي عنه في قوله :وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ[ الأنفال : 20 ، 21 ] ( نعم قد يكون للمحب سكرة في حبه حتى يدهش فيه وتضطرب أحواله