تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 482

مساهمون:

ص٤٨٢
ويقول أيضا :
ومن قلبه مع غيره كيف حاله * ومن سره في جفنه كيف يكتم ؟
وقد قال بعض العارفين : أكثر الناس من اللّه بعدا أكثرهم إشارة به ، كأنه أراد : من يكثر التعريض به في كل شيء ويظهر التصنع بذكره عند كل أحد فهو ممقوت عند المحبين والعلماء باللّه عز وجل . ودخل ذو النون المصري على بعض إخوانه - ممن كان يذكر المحبة - فرآه مبتلى ببلاء فقال : لا يحبه من وجد ألم ضره ! فقال الرجل : لكني أقول لا يحبه من لم يتنعم بضره ، فقال ذو النون : ولكني أقول : لا يحبه من شهر نفسه بحبه ، فقال الرجل : أستغفر اللّه وأتوب إليه . فإن قلت : المحبة منته المقامات وإظهارها للخير فلما ذا يستنكر ؟ فاعلم أن المحبة محمودة وظهورها محمود أيضا ، وإنما المذموم التظاهر بها لما يدخل فيها من الدعوى والاستكبار ، وحق المحب أن يتم على حبه الخفي أفعاله وأحواله دون أقواله
شرح
إما صعداء وإما تنغص بما هو فيه بكلام أو إشارة لأنه ما دام حيا لا بد أن يتروح بدخول النفس وخروجه ، وناهيك بهذه الحالة فإنها حالة أهل الجنة إذ جاء في الخبر : « إن الذكر يجري منهم مجرى النفس » . ( ويقول أيضا :ومن قلبه مع غيره كيف حاله * ومن سره في جفنه كيف يكتم ؟وقد قال بعض العارفين ) من المحبين : ( أكثر الناس من اللّه عز وجل بعدا أكثرهم إشارة به كأنه أراد ) أن ( من يكثر التعريض به في كل شيء ويكثر التصنع بذكره عند كل أحد فهو ممقوت عند المحبين والعلماء باللّه عز وجل ) لنقص مقامه في المحبة ( ودخل ذو النون المصري ) رحمه اللّه تعالى ( على بعض إخوانه ممن كان يذكر المحبة ) ويشير إليها ويتعرض لها بالإشارة والعبارة ( فرآه مبتلى ببلاء ، فقال ) ذو النون : ( لا يحبه من وجد ألم ضرره ) كأنه رآه مضطربا من ذلك البلاء ، ( فقال الرجل : لكني أقول لا يحبه من لم يتنعم بضره ) كأنه أشار إلى أنه غير مضطرب باطنا ، ( فقال ذو النون : ولكني أقول لا يحبه من شهر نفسه ، فقال الرجل ) لما سمع ذلك منه : ( استغفر اللّه وأتوب إليه ) فقد أرشده إلى كتمان الحب وعدم افشائه . ( فإن قلت : المحبة منته المقامات ) وبها تكمل المقامات ( وإظهارها إظهار للخير ، فلما ذا يستنكر ) ويؤمر بالكتمان ؟ ( فاعلم أن المحبة محمودة وظهورها محمود أيضا ، وإنما المذموم التظاهر بها لما يدخل فيها من الدعوى والاستكبار ) على الإخوان ، ( وحق المحب ) الصادق ( أن يتم على حبه الخفي )