تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 483

مساهمون:

ص٤٨٣
وأفعاله . وينبغي أن يظهر حبه من غير قصد منه إلى إظهار الحب ولا إلى إظهار الفعل الدال على الحب ، بل ينبغي أن يكون قصد الحب اطلاع الحبيب فقط ، فإما إرادته اطلاع غيره فشرك في الحب وقادح فيه ، كما ورد في الإنجيل : إذا تصدقت فتصدق بحيث لا تعلم شمالك ما صنعت يمينك ، فالذي يرى الخفيات يجزيك علانية وإذا صمت فاغسل وجهك وادهن رأسك لئلا يعلم بذلك غير ربك . فإظهار القول والفعل كله مذموم إلا إذا غلب سكر الحب فانطلق اللسان واضطربت الأعضاء فلا يلام فيه صاحبه . حكي أن رجلا رأى من بعض المجانين ما استجله فيه فأخبر بذلك معروفا الكرخي رحمه اللّه فتبسم ثم قال : يا أخي له محبون صغار وكبار وعقلاء ومجانين ! فهذا الذي رأيته من مجانينهم . ومما يكره : التظاهر بالحب ، بسببه أن المحب ان كان عارفا وعرف أحوال الملائكة في حبهم الدائم وشوقهم اللازم الذي به يسبحون الليل والنهار لا
شرح
في صدره ( أفعاله وأحواله دون أقواله ) بصريح العبارات والإشارات ، فإنها لا تخلو من الدعاوى ( وأفعاله ينبغي أن يظهر حبه من غير قصد منه إلى إظهار الحب ) المكتوم ( ولا إلى إظهار الفعل الدال على الحب بل ينبغي أن يكون قصد المحب اطلاع الحبيب فقط فأما إرادته اطلاع غيره فشرك في الحب وقادح فيه ، كما ورد في الإنجيل : إذا تصدقت فتصدق بحيث لا تعلم شمالك ما صنعت يمينك . فالذي يرى الخفيات يجزيك به علانية ، وإذا صمت فاغسل وجهك وادهن رأسك لئلا يعلم بذلك غير ربك ) . روى أحمد في الزهد عن هلال بن يساف قال : كان عيسى عليه السلام يقول : إذا تصدق أحدكم بيمينه فليخفها عن شماله ، وإذا صلّى فليدن عليه ستر بابه ، فإن اللّه يقسم الثناء كما يقسم الرزق . وروى عبد اللّه بن أحمد في زيادات الزهد من طريق مسروق عن ابن مسعود قال : إذا أصبح أحدكم صائما ، أو قال إذا كان أحدكم صائما فليترجل ، وإذا تصدق صدقة بيمينه فليخفها عن شماله ، وإذا صلّى صلاة أو صام تطوعا فليصلها في داخله وقد تقدم . ( فإظهار الفعل والقول كله مذموم إلا إذا غلب عليه سكر الحب فانطلق اللسان واضطربت الأعضاء فلا يلام فيه صاحبه ) فإنه مقهور عليه . ( حكي أن رجلا رأى من بعض المجانين ما استجهله فيه ) أي عدّه جهلا وجنونا ( فأخبر بذلك معروفا الكرخي رحمه اللّه تعالى فتبسم ) معروف ( ثم قال : يا أخي محبون صغار وكبار وعقلاء ومجانين : فهذا الذي رأيته من مجانينهم ) فلم يخرجه من حد المحبة إذ طاش عقله من سكره وتكلم بما يعيب عليه سامعه ، فالأولى الأدب معهم ولا يقيس حالهم بسواهم كما أرشد إليه معروف رحمه اللّه تعالى ، ( ومما يكره التظاهر بالحب بسببه أن المحب إن كان عارفا ) باللّه تعالى ولا بد أن يكون كذلك ، فإن المحبة ثمرة المعرفة ، ( وعرف أحوال