تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 468

مساهمون:

ص٤٦٨
يهلك نفسه . فهذه علامات المحبة ، فمن تمت فيه هذه العلامات فقد تمت محبته وخلص حبه فصفا في الآخرة شرابه وعذب مشربه ومن امتزج بحبه حب غير اللّه تنعم في الآخرة بقدر حبه إذ يمزج شرابه بقدر من شراب المقربين كما قال تعالى في الأبرار :
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ
ثم قال :
يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ * وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ
[ المطففين : 22 - 28 ] فإنما طاب شراب الأبرار لشرب الشراب الصرف الذي هو للمقربين . والشراب عبارة عن جملة نعيم الجنان ، كما أن الكتاب عبر به عن جميع الأعمال فقال :
إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ
ثم قال :
يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ
[ المطففين : 18 - 21 ] فكان أمارة علو كتابهم إنه ارتفع إلى حيث يشهده المقربون . وكما أن الأبرار يجدون المزيد في حالهم ومعرفتهم بقربهم من المقربين ومشاهدتهم لهم ، فكذلك يكون حالهم في
شرح
لنفسه ( حتى يبلغ من شدة غضبه أنه يهلك نفسه ) وذلك أن يغيب الخلق عنه حتى نفسه فلا يعقل ما فعل ، فلذلك ضرب اللّه هذا المثل في قوله : لا يبالي قلّ الناس أو كثروا لحقيقة الإخلاص بغيبته عن مداراة الناس ؛ ( فهذه علامات المحبة ) يعني الكلف بالحب والإيواء إلى الذكر والغضب للمحارم ، ( فمن تمت فيه هذه العلامات ) المذكورة ( فقد تمت محبته وخلص حبه ) للّه تعالى ، ( فصفا في الآخرة شرابه وعذب مشربه ) وهو من المقربين ونعيمه في الجنان صرف لأنه كان يعبده لأجله صرفا . ( ومن امتزج بحبه حب غير اللّه تنعم في الآخرة بقدر حبه ) وهو من أصحاب اليمين ، ( إذ يمزج شرابه بقدر ) ما ( من شراب المقربين كما قال اللّه تعالى في الأبرار ) أي وصف نعيمهم : (إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍثم قال :يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ) ثم قال في نعت شراب المقربين : (وَمِزاجُهُ) يعني مزاج شراب الأبرار (مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) أي يشرب بها المقربون صرفا ويمزج لأصحاب اليمين ، ( فإنما طاب شراب الأبرار لشرب الشراب الصرف الذي هو للمقربين ) ، ولفظ القوت : فما طاب شراب الأبرار إلا بمزاج شراب المقربين ، ( والشراب عبارة عن جملة نعيم الجنان ، كما أن الكتاب عبر به عن جميع الأعمال ) ولفظ القوت : فعبر عن جمل نعيم الجنان بالشراب كما عبّر عن العلوم والأعمال بالكتاب ، ( فقال ) في نعت الأبرار مثله : (إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَثم قال :يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَفكان إمارة علو كتابهم أنه ارتفع إلى حيث يشهده ) فما حسن عملهم ولا صفت أعمالهم ولا علا كتابهم إلا بشهادة المقربين لما قرب منهم وحضروه ، ( وكما أن الأبرار ) في الدنيا يحسن علومهم بعلمهم وترتفع أعمالهم بمشاهدتهم ، ( يجدون المزيد في ) نفوسهم و ( حالهم ومعرفتهم يقربهم من المقربين ومشاهدتهم لهم ، فكذلك يكون حالهم ) غدا ( في الآخرة ) وقد قال تعالى :