الحب . ولخصوص المحبين مخاوف في مقام المحبة ليست لغيرهم ، وبعض مخاوفهم أشد من بعض ، فأوّلها خوف الإعراض وأشد منه خوف الحجاب ، وأشد منه خوف الإبعاد وهذا المعنى من سورة هود هو الذي شيب سيد المحبين إذ سمع قوله تعالى :
أَلا بُعْداً لِثَمُودَ
[ هود : 68 ]
أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ
[ هود : 95 ] وإنما تعظم هيبة البعد وخوفه في قلب من ألف القرب وذاقه وتنعم به ، فحديث البعد في حق المبعدين يشيب سماعه أهل القرب في القريب ، ولا يحن إلى القرب من ألف البعد ، ولا يبكي لخوف البعد من لم يمكن من بساط القرب ، ثم خوف الوقوف وسلب المزيد ، فإنا قدمنا أن درجات القرب لا نهاية لها وحق العبد أن يجتهد في كل نفس حتى يزداد فيه
شرح
عن الأجسام والأعراض ومشابهة المحدثات ، والتعظيم بطريق الاستعارة والتجوز ما فات البصائر إدراكه ، اما لمانع في البصيرة أو في الذات المبصرة ، والرب تعالى قد فات الأبصار والبصائر إدراكه على ما هو عليه لا لمانع وضعه اللّه ، إذ يمكن رفع ذلك المانع ، ولكن لصفته التي هي حقه وهي قيوميته بنفسه واستغناؤه عن الموجب والموجد والكيف والنظير لا لعلم سبق ولا لحكم قدر ، بل لأجل أن عظمته إزاره وكبرياءه رداؤه ، ولما كان عظيما في ذاته ، وكان ناظرا لذاته بعين الكبرياء ، وكان محتجبا بهذين الوصفين عن عباده وقع الأخبار عنهما بالإزار والرداء الحاجبين للابس أن تظهر ذاته ، إذ بصفاته احتجبت ذاته عن أن تدرك لا أن بينه وبين العقول العالمة به حجبا إنما الحجب المخلوقة ما تصنعه من الأكنة في قلوب الجهلة ، وأما العلماء فما يحتجب عنهم إلا بأنوار صفاته ، ولهذا الكلام بقية تقدمت الإشارة إليها في مواضع من هذا الكتاب .
( ولخصوص المحبين مخاوف في مقام المحبة ) من نسبة أحوالهم ( ليست لغيرهم ، وبعض مخاوفهم أشد من بعض ) ، ولفظ القوت : وللمحب سبع مخاوف ليست لشيء من أهل المقامات بعضها أشد من بعض ، ( فأولها خوف الأعراض ، وأشد منه خوف الحجاب ، وأشد منه خوف الابعاد ) من حضرة القرب ، ( وهذا المعنى من سورة هود هو الذي شيب سيد المحبين ) صلّى اللّه عليه وسلم ( إذ سمع قوله تعالى ) في سورة هود : (أَلا بُعْداً لِثَمُودَأَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ) وقال : « شيبتني هود وإخواتها » وقد تقدم الكلام عليه ، ( وإنما تعظم هيبة البعد وخوفه في قلب من ألف القرب وذاقه وتنعم به ، فحديث البعد في حق المبعدين يشيب سماعه أهل القرب في القرب ولا يحن إلى القرب من ألف البعد ) بل ولا يعرف البعد من لم يقرب ، ( ولا يبكي لخوف البعد من لم يكن من بساط القرب ) ولم يعهده .
( ثم ) أشد منه ( خوف الوقوف ) عن التحديد ( وسلب المزيد ) وهذا يكون للخصوص في الإظهار والأخبار منهم ، فيسلبون المزيد من نوعه إن كان من الآيات ، وحقيقة ذلك عقوبة لهم ويكون للعموم عند إيثار الشهوات على أوامر الطاعات ، ( فإنا قدمنا أن درجات القرب لا نهاية لها ) كما أن درجات المعرفة لا نهاية لها ، ( وحق العبد أن يجتهد في كل نفس حتى يزداد