تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 465

مساهمون:

ص٤٦٥
ومنها : أن يتنعم بالطاعة ولا يستثقلها ويسقط عنه تعبها كما قال بعضهم : كابدت الليل عشرين سنة . ثم تنعمت به عشرين سنة . وقال الجنيد : علامة المحبة دوام النشاط والدؤب بشهوة تفتر بدنه ولا تفتر قلبه . وقال بعضهم : العمل على المحبة لا يدخله
شرح
تشوبه بالكدر ولم تدخل بيني وبينك الخلق ؟ فإن كان صادقا في محبته فيستعمله محبوبه في الخير فيكون مكان الاستغفار من الغفلة معاتبة يستخرج بها أكثر من الذي فاته من الذكر ، فتكون تلك الهفوة عليه بركة إن كان عاقبتها الاتصال والزيادة في القرب والعبد المحب للّه عز وجل مأسور معلق هناك لا يدري ما حقيقة التوحيد غير أنه إذا أسف على فقد وحدانية التوحيد فزع من ذلك ، فرجع فوجد بقاء الواحد بالوحدانية وانفراده في الصمدية فينسى نفسه وذهب طعم كل ذكر كان ينعم به ولم يرفوت كل شيء وذهب استبعاده في هذا الموضع حتى يستبعده المحب من مكان آخر فيرده إلى علم التوحيد والحب بلاء كثير والعباد قد ألفوا العبادة والذكر الطيب الذي يعقلون به ، وأول التوحيد عند المحبين أن يعبدوا اللّه تعالى لوجهه حبا له لا خوفا من ناره ولا رغبة في جنته ، فيكون الحبيب مرادهم والوصول إليه مناهم حتى يرجع لهم على التعظيم والإجلال ، فلا يرون نفوسهم تصلح للقائه فتحس القلوب فترجع بالهيبة والرهبة فيعبدون اللّه عز وجل ويبقى الشوق والأنس ، فأما الصدق والصبر والإخلاص والزهد فهذه الأخلاق الشريفة كائنة معهم في سرهم ووصفهم لا تفارقهم ولا يخليهم منها محبوبهم ، ولو أخلاهم مولاهم ما ذاقوا طعم شيء من هذه الخصال ، ولبطلت العبادات وانقطعت الطرق ولكانوا مكتفين به ، ولكنه يدبرهم بأمره ويردهم إلى هذه الأحوال فيذوقون طعمها كما يردهم إلى مصالح الجسم ومرافق العقل ؛ فلذلك اسمهم الموحدون المشتاقون المحبون لأنهم عبدوه وحده وأحبوه دون غيره ، واشتاقوا إليه لا سواه ، ولم يريدوا منه شيئا إذ كان اللّه تعالى هو الغالب على همهم القاهر لقلوبهم الموجود في سرهم المالك لعقولهم ، فلو وضع من نعيمهم ذرة على كل خائف وعابد لاحترقوا من نورهم وهم أعلى الخليقة وليس فوقهم أحد هذا نقلته من كلام الشكلي وغيره من العارفين انته سياق صاحب القوت . والشكلي : بكسر الشين المعجمة وسكون الكاف هو أبو الفضل العباس يوسف بن إسماعيل البغدادي ، روى عن السري وعمه محمد بن إسماعيل الشكلي ، وعنه أبو بكر القطيعي وأبو حفص بن شاهين ، منسوب إلى شكلة اسم امرأة ، والمعروف بها إبراهيم بن شكلة الأمير الذي امتدحه أبو تمام وقد تقدم له ذكر في هذا الكتاب . ( ومنها ) : أي ومن علامات المحبة ( أن يتنعم بالطاعة ولا يستثقلها ويسقط عنه تعبها ) لأن عمل المحبة لا يداخلها سآمة ولا ملالة ، وهذا حد الأسباب المشرفة للمحبين ، ( كما قال بعضهم : كابدت الليل عشرين سنة ثم تنعمت به عشرين سنة ) وهو قول ثابت البناني ، وقال مرة : كابدت القرآن وقد سبق في كتاب ترتيب الأوراد ، ( وقال ) أبو القاسم ( الجنيد ) قدس سره : ( علامة المحبة دوام النشاط والدؤب بشهوة تفتر بدنه ولا يفتر قلبه ) كذا في