تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 467

مساهمون:

ص٤٦٧
كل من يقارف شيئا مما يكرهه كما قال اللّه تعالى :
أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
[ الفتح : 29 ] ولا تأخذه لومة لائم ولا يصرفه عن الغضب للّه صارف ، وبه وصف اللّه أولياءه إذ قال الذين يكلفون بحبي كما يكلف الصبي بالشيء ويأوون إلى ذكري كما يأوي النسر إلى وكره ، ويغضبون لمحارمي كما يغضب النمر إذا حرد فإنه لا يبالي قل الناس أو كثروا ، فانظر إلى هذا المثال فإن الصبي إذا كلف بالشيء لم يفارقه أصلا ، وإن أخذ منه لم يكن له شغل إلا البكاء والصياح حتى يرد إليه ، فإن نام أخذه معه في ثيابه ، فإذا انتبه عاد وتمسك به ومهما فارقه بكي ومهما وجده ضحك ، ومن نازعه فيه أبغضه ومن أعطاه أحبه . وأما النمر فإنه لا يملك نفسه عند الغضب حتى يبلغ من شدة غضبه أنه
شرح
يصافيهم ويواددهم ويحب لهم أكثر مما يحبه لنفسه ، لأنه في نفسه راض بما يجري عليه من أحكام ربه فلا يختار لنفسه حالا من الأحوال وهو يختار للمسلمين أحسن الأحوال وأكمل الحالات ، وهذه الحالة إذا وجدها المحب في نفسه يتحقق أن اللّه تعالى منحه مقام الربانيين المتخلقين بأخلاق اللّه ، ( و ) يستحب أن يكون ( شديدا على جميع أعداء اللّه وعلى كل من يقارف شيئا مما يكرهه ) على حسب درجاتهم في البعد من اللّه تعبدا لأمر اللّه سبحانه مع مشاهدة كمال علم اللّه وحكمته فيهم ، ( كما قال اللّه تعالى ) في وصف المحبين : (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ) فوصفهم بالشدة على أعداء اللّه والتراحم فيما بينهم ، ( و ) يتأكد أن ( لا تأخذه في اللّه لومة لائم ) ولا عذل عاذل ( ولا يصرفه عن الغضب للّه صارف وبه وصف اللّه أولياءه إذ قال : الذين يكلفون بحبي كما يكلف بالشيء ويأوون إلى ذكري كما يأوي النسر إلى وكره ، ويغضبون كما يغضب النمر إذا حرد فإنه لا يبالي قل الناس أو كثروا ) هكذا أورده صاحب القوت . وقد رواه الطبراني : ومن طريقه أبو نعيم في الحلية حدثنا أحمد بن منصور المدائني ، حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي ، حدثنا عبد اللّه بن محمد بن عروة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أن موسى عليه السلام قال : يا رب أخبرني بأكرم خلقك عليك . قال : الذي يسرع إلى هواي إسراع النسر إلى هواه ، والذي يكلف بعبادي الصالحين كما يكلف الصبي الناس ، والذي يغضب إذا انتهكت محارمي غضب النمر لنفسه ، فإن النمر إذا غضب لم يبال أقل الناس أو كثروا . ( فإذا نظر إلى هذا المثال ) وتدبره ، ( فإن الصبي إذا كلف بالشيء لم يفارقه أصلا ، وإن أخذ منه لم يكن له شغل إلا البكاء والصياح حتى يرد إليه فإذا نام أخذه معه في ثيابه فإذا انتبه ) من نومه ( عاد ) إليه ( وتمسك به ، ومهما فارقه بكى ، ومهما وجده ضحك ) إليه ، ( ومن نازعه فيه أبغضه ، ومن أعطاه أحبه . وأما النمر فإنه لا يملك نفسه عند الغضب )
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 467 | مرتضى الزبيدي