تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 470

مساهمون:

ص٤٧٠
بقضاء شهوة البطن والفرج مشغولون ، وللمجالسة أقوام آخرون . ولذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أكثر أهل الجنة البله وعليون لذوي الألباب » ولما قصرت الأفهام عن درك معنى عليين عظم أمره فقال :
وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ
[ المطففين : 19 ] كما قال تعالى :
الْقارِعَةُ * مَا الْقارِعَةُ * وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ
[ القارعة : 1 - 3 ] . ومنها : أن يكون في حبه خائفا متضائلا تحت الهيبة والتعظيم ، وقد يظن أن الخوف يضاد الحب وليس كذلك ، بل إدراك العظمة يوجب الهيبة كما أن إدراك الجمال يوجب
شرح
مشغولون وللمجالسة أقوام آخرون ، ولذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أكثر أهل الجنة البله وعليون لذوي الألباب » ) قال العراقي : رواه البزار من حديث أنس بسند ضعيف مقتصرا على الشطر الأول ، وقد تقدم . والشطر الثاني من كلام أحمد بن أبي الحواري ، ولعله أدرج فيه انته . قلت : تقدم الكلام فيه ، وأن سهلا التستري فسره فقال : هم الذين ولهت قلوبهم وشغلت باللّه عز وجل ، ( ولما قصرت الأفهام عن درك معنى عليين عظم ) اللّه تعالى ( أمره فقال :وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ ) * كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ( كما قال تعالى :الْقارِعَةُ * مَا الْقارِعَةُ) وأصله ما هي أي أي شيء هي على التعظيم لشأنها والتهويل لها ، فوضع الظاهر موضع المضمر لأنه أهول لها (وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ) أي أي شيء هي أعلمك ما هي لأنك لا تعلم كنهها ، فإنها أعظم من أن يبلغ دركها أحد ، ومثل هذا قوله تعالى :الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ[ الحاقة : 1 - 3 ] . ( ومنها ) : أي من علامات المحبة ( أن يكون في حبه خائفا ) وجلا ( متضائلا ) أي متصاغرا ( تحت الهيبة والتعظيم ) ، فشرف العباد كلهم وقربهم من ربهم على قدر تعظيمهم له ومعرفتهم بحقه ليتذللوا ويتصاغروا عبودية له وإجلالا لعظمته ومهابة وصغارا لكبريائه ، ( وقد يظن أن الخوف يضاد الحب وليس كذلك ) . وقال صاحب القوت بعد أن فسر أبيات رابعة قدس اللّه سرها التي ذكرت في المحبة بلزوم خوف التقصير ووجوب الحياء من قلة الوفاء ، والخوف لما تعرض به من حبه ما نصه : ومن لم يكن من المحبين كذلك حتى لا يدرك بمحبته ولا يقتضي الجزاء عليها من محبوبه ، ولا يوجب على حبيبه شيئا إلا لأجل محبته فهو مخدوع بالمحبة ومحجوب بالنظر إليها ، وإنما ذلك مقام الرجاء الذي ضده الخوف ليس من المحبة في شيء ولا تصح المحبة إلا بخوف المقت في المحبة وقال بعض العارفين : ما عرفه من ظن أنه عرفه ولا أحبه من توهم أنه أحبه . ( بل إدراك العظمة يوجب الهيبة ، كما أن إدراك الجمال يوجب الحب ) ، وتحقيق ذلك يفهم من معنى التعظيم فلنذكره . اعلم أن التعظيم المعهود هو ما فات البصر إدراكه ، والرب تعالى منزه عن إدراك حس تعلو ذاته