تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 462

مساهمون:

ص٤٦٢
فقال : لو حوّلت مسجدي إلى تلك الشجرة فكنت آنس بصوت هذا الطائر قال : ففعل ، فأوحى اللّه تعالى إلى نبي ذلك الزمان قل لفلان العابد : استأنست بمخلوق لأحطنك درجة لا تنالها بشيء من عملك أبدا . فإذا علامة المحبة كمال الأنس بمناجاة المحبوب وكمال التنعم بالخلوة به وكمال الاستيحاش من كل ما ينغص عليه الخلوة ويعوق عن لذة المناجاة . وعلامة الأنس مصير العقل والفهم كله مستغرقا بلذة المناجاة ، كالذي يخاطب معشوقه ويناجيه ، وقد انتهت هذه اللذة ببعضهم حتى كان في صلاته ووقع الحريق في داره فلم يشعر به ، وقطعت رجل بعضهم بسبب علة أصابته وهو في الصلاة فلم يشعر به ومهما غلب عليه الحب والأنس صارت الخلوة والمناجاة قرة عينه يدفع بها جميع الهموم ، بل يستغرق الأنس والحب قلبه حتى لا يفهم أمور الدنيا ما لم تكرر على سمعه مرارا ،
شرح
الشجرة فكنت آنس بصوت هذا الطائر . قال : ففعل ) أي حوّل مسجده إليها ( فأوحى اللّه تعالى إلى نبي ذلك الزمان قل لفلان العابد استأنست بمخلوق لأحطنك درجة لا تنالها بشيء من عملك أبدا ) نقله صاحب القوت . ورواه البيهقي في الشعب عن أحمد بن أبي الحواري قال : سمعت أخي يقول : تعبد رجل من بني إسرائيل في غيضة في جزيرة في البحر أربعمائة سنة فطال شعره ، حتى إذا كان في الغيضة تعلق بأغصانها بعض شعره ، فبينما هو ذات يوم يدور إذ مر بشجرة فيها وكر طائر فنقل موضع مصلّاه إلى قريب منها قال : فنودي أنست بغيري وعزتي وجلالي لأحطنك مما كنت فيه درجتين . ( فإذا علامة المحبة ) الصادقة الخالصة ( كمال الأنس بمناجاة المحبوب وكمال التنعم بالخلوة به ) والانقطاع إليه بوجود نسيم الأنس به ومصادقة الاستراحة والروح منه بمحادثة في المجالسة ومناجاة في الخلوة وتملق في السريرة ، ( وكمال الاستيحاش من كل ما ينغص عليه الخلوة ويعوق عن لذة المناجاة ) ، ثم ذوق حلاوة النعيم في ترك المخالفة لغلبة حب الموافقة ، ثم الطمأنينة إلى الحبيب وعكوف الهم على التقريب ودوام النظر إلى الرقيب ، فمن عرفه أحبه ومن أحبه نظر إليه ومن نظر إليه عكف عليه دل على ذلك قوله تعالى :وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً[ طه : 97 ] ( وعلامة الأنس مصير العقل والفهم كله مستغرقا بلذة المناجاة كالذي يخاطب معشوقه ويناجيه ) ويناغيه ، ( وقد انتهت هذه اللذة ببعضهم حتى كان في صلاته ووقع الحريق في داره فلم يشعر به ) تقدم في كتاب الصلاة ، ( وقطعت رجل بعضهم بسبب علة ) الأكلة ( أصابته وهو في الصلاة فلم يشعر به ) وهو عروة بن الزبير وقد تقدم أيضا ، ( ومهما غلب عليه الحب والأنس صارت الخلوة والمناجاة قرة عين ) له ( تدفع جميع الهموم ) فلا يشعر بشيء يرد عليه ، ( بل يستغرق الأنس والحب قلبه حتى لا يفهم أمور الدنيا ما لم تتكرر على سمعه مرارا ) فيظن الناس به بلها وغفلة ( مثل العاشق الولهان ، فإنه يكلم
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 462 | مرتضى الزبيدي