تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 458

مساهمون:

ص٤٥٨
وحب القرآن الذي هو كلامه وحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وحب كل من ينسب إليه ، فإن من يحب إنسانا يحب كلب محلته . فالمحبة إذ قويت تعدت من المحبوب إلى كل ما يكتنف بالمحبوب ويحيط به ويتعلق بأسبابه ، وذلك ليس شركة في الحب فإن من أحب رسول المحبوب لأنه رسوله ، وكلامه لأنه كلامه ، فلم يجاوز حبه إلى غيره بل هو دليل على كمال حبه ، ومن غلب حب اللّه على قلبه أحب جميع خلق اللّه لأنهم خلقه ، فكيف لا يحب القرآن والرسول وعباد اللّه الصالحين ؟ وقد ذكرنا تحقيق هذا في كتاب الأخوة
شرح
للذاكر وهو من أفضل منته على خلقه . وفي الخبر : « إن للّه تعالى في كل يوم صدقة يمن بها على خلقه وما تصدق على عبد بصدقة أفضل من أن يلهمه ذكره » . وروى سفيان عن مالك بن مغول قيل : يا رسول اللّه أي الأعمال أفضل ؟ قال : « اجتناب المحارم ولا يزال فوك رطبا من ذكر اللّه » ويروى « أكثروا من الذكر حتى يقول المنافقون إنكم مراؤن » وفي حديث أبي سلمة عن أبيه عن جده : « ومن أكثر ذكر اللّه أحبه اللّه » . ( و ) كذلك من أحب شيئا أكثر من ( ذكر ما يتعلق به ، فعلامة حب اللّه حب ذكره وحب القرآن الذي هو كلامه ) وتكريره على الأسماع والقلوب ، ( وحب رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ) الذي هو حبيبه وصفيه ، وكذا حب سائر الأنبياء والمرسلين عليهم السلام لأن الفضائل المتواترة عنهم موجبة للمحبة ويجب حب الملائكة لشرفهم في ذواتهم ، ولما أصلح اللّه بهم الأنبياء ونفع بهم العباد ، ويستحب حب الطاعة التي هي خدمة ويتأكد الاستحباب للأولياء الذي هم خاصة وكذا للمؤمنين على حسب درجاتهم . قال تعالى :يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ[ الحشر : 9 ] ( و ) كذا ( حب كل من ينسب إليه ) أي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالولادة ، وكذا إليهم بالنسب الظاهر أو الباطن ( فإن من يحب إنسانا يحب ) كل ما يتعلق به حتى يحب ( كلب محلته ) وقصة مجنون بني عامر مع كلب وقع بصره عليه فأحبه ، وجوابه لمن سأله عن ذلك رآه مرة في حي ليلى وقوله :أحب لحبها سود الكلابمشهورة ؛ فهذا الذي ذكره كله مما يتعلق بحب اللّه تعالى ( فالمحبة إذا قويت تعدت من المحبوب إلى كل ما يكتنف بالمحبوب ويحيط به ويتعلق بأسبابه ، وذلك ليس شركة في المحبة ) وكمال المحبة يقتضي رفع الاشتراك ، ( فإن من أحب رسول المحبوب لأنه رسوله و ) أحب ( كلامه لأنه كلامه فلم يجاوز حبه إلى غيره ، بل هو دليل على كمال حبه ، ومن غلب حب اللّه على قلبه ) وغمره بكليته ( أحب جميع خلق اللّه لأنهم خلقه ) وتصنيفه وإبداعه ، ( فكيف لا يحب القرآن والرسول وعباد اللّه الصالحين ) إلا أن المحبة في بعض الأفراد المذكورة بالوجوب كالقرآن والرسول وسائر الأنبياء والملائكة ، وفي بعضها بالاستحباب كجميع المؤمنين على درجاتهم والطاعة ، وفي بعضها يتأكد الاستحباب كحب خواص العباد من الأولياء