تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 457

مساهمون:

ص٤٥٧
دعوى المحبة خطر ، ولذلك قال الفضيل : إذا قيل لك أتحب اللّه تعالى ؟ فاسكت فإنك إن قلت : لا ، كفرت وإن قلت : نعم ، فليس وصفك وصف المحبين فاحذر المقت ولقد قال بعض العلماء ليس في الجنة نعيم أعلى من نعيم أهل المعرفة والمحبة ولا في جهنم عذاب أشد من عذاب من ادعى المعرفة والمحبة ولم يتحقق بشيء من ذلك . ومنها أن يكون مستهترا بذكر اللّه تعالى لا يفتر عنه لسانه ولا يخلو عنه قلبه ، فمن أحب شيئا أكثر بالضرورة من ذكره وذكر ما يتعلق به ، فعلامة حب اللّه ، حب ذكره
شرح
معرفة أخلاق الذات ، فعبادة أولئك بالعادات وللحاجات ، وعبادة المحبين للإجلال والتعظيم وهي مخصوصة لمخصوصين ، والأصل في هذا أن المحبة عن المعرفة وأن المعرفة عموم وخصوص ، فلخصوص العارفين خاصية المحبة ولعمومهم عموم المحبة انته . وقال الكمال محمد بن إسحاق الصوفي : والذي ترجح عندي أن العاصي يكون محبا حكما لا حقيقة ، كما يطلق اسم الإيمان على النائم فإنه مؤمن حكما لا حقيقة ، وبهذه القاعدة ينكشف سر قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن » لأن دخان الشهوة حجب نظره عن الوعد والوعيد ، فصار كالغافل عن الإيمان كالنوم ، فالغافل يسمى مؤمنا حكما لا حقيقة لأن حقيقة الإيمان حضور العبد مع اللّه أو شهوده للآيات الدالة على وجوده ، فالغافل العاصي عن هذا بمعزل ، والإنسان خلق في الأصل مجبولا على الغفلة وعلى الرجوع إلى الأحوال البشرية ، وإنما رحمة الشرع جاءت بتشريع العبادات وترتيبها في أوقات متقاربة ليرجع القلب بذلك إلى اللّه تعالى ، فانقسم الناس في رجوعهم إلى اللّه تعالى أو إلى الدنيا هذا الانقسام . ( وبالجملة ؛ في دعوى المحبة خطر ) عظيم ، وقد قال : بعض العلماء : إذا تم التوحيد تمت المحبة ، وإذا جاءت المحبة تم التوكل فتم إيمانه وخلص فرضه وسمى ذلك يقينا ، ( ولذلك قال الفضيل ) بن عياض رحمه اللّه تعالى في مرض المحبة : ( إذا قيل لك أتحب اللّه تعالى فاسكت ، فإن قلت لا كفرت ، وإن قلت نعم فليس وصفك وصف المحبين فاحذر المقت ) نقله صاحب القوت ، ( ولذا قال بعض العلماء : ليس في الجنة نعيم أهل المعرفة والمحبة ، ولا في جهنم عذاب أشد من عذاب من ادعى المعرفة والمحبة ، ولم يتحقق بشيء من ذلك ) نقله صاحب القوت وزاد فقال : وقال عالم فوقه كل أهل المقامات يرجى أنه يعفي عنهم ويسمح لهم إلا من ادعى المعرفة والمحبة ، فإنهم يطالبون بكل شعرة مطالبة وبكل حركة وسكون وكل نظرة وخطرة للّه تعالى وباللّه تعالى وفي اللّه تعالى ومع اللّه تعالى . ( ومنها ) : أي من علامات حب العبد للّه تعالى ( أن يكون مستهترا بذكر اللّه تعالى ) أي مولعا به ( لا يفتر عنه لسانه ولا يخلو عنه قلبه ) ، بل يكون القلب موافقا للسانه في حال الذكر ، ( فمن أحب شيئا أكثر بالضرورة من ذكره ) كما ورد في الخبر : « من أحب شيئا أكثر من ذكره » رواه صاحب الحلية من حديث عائشة وقد تقدم ، وكثرة الذكر دليل محبة المذكور