تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 452

مساهمون:

ص٤٥٢
وأما السبب الثاني للكراهة : فهو أن يكون العبد في ابتداء مقام المحبة وليس يكره الموت وإنما يكره عجلته قبل أن يستعد للقاء اللّه ، فذلك لا يدل على ضعف الحب وهو كالمحب الذي وصله الخبر بقدوم حبيبه عليه فأحب أن يتأخر قدومه ساعة ليهيئ له داره ويعدّ له أسبابه فيلقاه كما يهواه فارغ القلب عن الشواغل خفيف الظهر عن العوائق ، فالكراهة بهذا السبب لا تنافي كمال الحب أصلا ، وعلامته الدؤب في العمل واستغراق الهم في استعداد . ومنها : أن يكون مؤثرا ما أحبه اللّه تعالى على ما يحبه في ظاهره وباطنه فيلزم مشاق العمل ويجتنب اتباع الهوى ويعرض عن دعة الكسل ، ولا يزال مواظبا على طاعة اللّه ومتقربا إليه بالنوافل وطالبا عنده مزايا الدرجات كما يطلب المحب مزيد القرب في
شرح
لأجل أمر اللّه لا شهوة ولا رغبة ، وهذا هو الذي أراده الإمام أبو طالب بقوله : إن محبة الزوجة والولد لا ينقص ذلك عندي وعلله فقال : إن محبة اللّه من نور الإيمان ومحبة الزوجة والولد من العقل ، ومتل هذا لا يخفى عليه أن العقل لا يحب المحسوسات ولا يميل إليها ، وإنما واللّه أعلم لم كان للقلب وجهتان : وجهة إلى اللّه مستمد منها المعارف ومزايد القلب ، ووجهة إلي بدنه ليدبره ويقوم بمصالحه ، وكان المحب لا يرجع من الوجه الذي يلي ربه إلى الوجه الذي يدبر به المصالح إلا لضرورة سفره سمي محبة الزوجة والولد بهذا الاعتبار عقلا لأن هذا لا يتناول من الدنيا إلا كما يتناول المريض الأدوية النافعة لا يأخذ منها إلا بقدر الحاجة وهذه أحوال السلف من المحبين ا ه . ( وأما السبب الثاني للكراهة : فهو أن يكون العبد في ابتداء مقام المحبة وليس يكره الموت ، وإنما يكره عجلته قبل أن يستعد للقاء اللّه ، فذاك لا يدل على ضعف الحب وهو كالمحب الذي وصله الخبر بقدوم حبيبه عليه ، فأحب أن يتأخر قدومه ساعة ليهيئ له داره يعد له أسبابه فيلقاه كما يهواه فارغ القلب عن الشواغل خفيف الظهر عن العوائق ) لا للتمتع بالدنيا ، ( فالكراهة بهذا السبب لا تنافي كمال الحب أصلا ) وترك اختياره لاختيار اللّه في هذا الباب أولى ، ( وعلامته الدؤب في العمل واستفراغ الهم في الاستعداد ) فإن قصر في عمله فليس من الاستعداد في شيء . ( ومنها أن يكون مؤثرا ما يحبه اللّه تعالى على ما يحبه في ظاهره وباطنه ) لأن المحبة لا تدع لغير المحبوب موضعا في القلب والإيثار ، وهو ميزان العقل والصدق للمحبة ، فعلى قدر إيثارك له تعرف محبتك له فلا تغتر ، فإن المحبة خفية لا تعرف إلا بإيثارها ، وقد أشار إلى ثمرة الإيثار بقوله : ( فيلزم مشاق العمل ويجتنب اتباع الهوى ويعرض عن دعة الكسل ) أي راحته ، ( ولا يزال مواظبا على طاعة اللّه ومتقربا إليه بالنوافل ) كما ورد به الخبر ، لأن عمل المحبة لا يداخله سآمة ولا ملالة وهو أحد الأسباب المشرفة لأعمال المحبين ، ( و ) لا يزال ( طالبا