تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 449

مساهمون:

ص٤٤٩
لا يكره لقاء حبيبه . وقال البويطي لبعض الزهاد : أتحب الموت ؟ فكأنه توقف فقال : لو كنت صادقا لأحببته ، وتلا قوله تعالى :
فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
[ البقرة : 94 ] فقال الرجل : فقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « لا يتمنين أحدكم الموت » فقال : إنما قاله لضر نزل به لأن الرضا بقضاء اللّه تعالى أفضل من طلب الفرار منه . فإن قلت : فمن لا يحب الموت فهل يتصوّر أن يكون محبا للّه ؟ فأقول : كراهة الموت قد تكون لحب الدنيا والتأسف على فراق الأهل والمال والولد ، وهذا ينافي كمال حب اللّه
شرح
صاحب القوت . ( وقال ) أبو يعقوب يوسف بن يحيى المصري ( البويطي ) بضم الموحدة وفتح الواو نسبة إلى بويط قرية بمصر بالصعيد الأذنى ، وهو صاحب الشافعي وخليفته على أصحابه بعده ، كان زاهدا متعبدا . قال له الشافعي : أما أنت فتموت في الحديد فمات مقيدا ببغداد سنة 231 في محنة القرآن : ( لبعض الزهاد أتحب الموت فكأنه توقف فقال : لو كنت صادقا لأحببته وتلا قوله تعالى :فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَفقال الرجل ، فقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « لا يتمنين أحدكم الموت » فقال : إنما قاله لضر نزل به لأن الرضا بقضاء اللّه تعالى أفضل من طلب الفرار منه ) نقله صاحب القوت ، وقال هذا كما قال البويطي : لأن التائب إذا صدقت توبته طلب الموت خشية الحول عن حاله ، فإذا كان كذلك كان هو التائب الذي هو حبيب اللّه إلا أن مقام الرضا أعلى من مقام تمني الموت ، فلذلك قال : لا يتمنى الموت للضر ينزل به أي : فرضاه بقضائه أفضل من تمني لقائه ليقبض على مقام الرضا ا ه . والحديث المذكور بهذا اللفظ رواه الباوردي والطبراني والحاكم من حديث الحكم بن عمر والغفاري ، ورواه أحمد من حديث عبس الغفاري ، ورواه أيضا هو والطبراني وصاحب الحلية من حديث خباب ، ويروى بزيادة إما محسنا فلعله أن يعيش يزداد خيرا وهو خير له ، وإما مسيئا فلعله أن يستعتب . رواه النسائي بهذه الزيادة من حديث أبي هريرة ، ورواه أحمد والشيخان نحوه ، ورواه الشيخان من حديث بزيادة : ولا يدع به من قبل أن يأتيه أنه إذا مات أحدكم انقطع عمله ، وأنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا . ورواه ابن عساكر من حديثه بزيادة : حتى يثق بعمله ، ورواه ابن أبي شيبة من حديث عمرو بن عنبسة بلفظ : إلا أن يثق بعمله ، ورواه الخطيب من حديث ابن عباس بزيادة فإنه لا يدري ما قدم لنفسه . وأما قول البويطي إنما قاله لضر نزل به ، فقد رواه الطيالسي وأحمد وعبد بن حميد والشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأبو عوانة وابن حبان من حديث أنس لفظه : « لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به فإن كان لا بد متمنيا فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي وأفضل » . ( فإن قلت : فمن لا يحب الموت فهل يتصور أن يكون محبا للّه تعالى ؟ فأقول : كراهة الموت قد تكون لحب الدنيا والتأسف على فراق الأهل والمال والولد ، وهذا ينافي كمال