يدل على أن من الناس من لا يحب اللّه بكل قلبه فيحبه ويحب أيضا غيره فلا جرم ويكون نعيمه بلقاء اللّه عند القدوم عليه على قدر حبه ، وعذابه بفراق الدنيا عند الموت علة قدر حبه لها .
شرح
زكريا بن يحيى بن أبان قال : حدثني أبو صالح كاتب الليث قال : حدثني عبد اللّه بن لهيعة بن عبادة بن سني ، عن عبد الرحمن بن غنم قال : سمعت عبد اللّه بن الأرقم يقول : سمعت عمر بن الخطاب يقول : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ذكر سالما مولى أبي حذيفة فقال : « إن سالما شديد الحب للّه » رواه حبيب بن نجيح عن عبد الرحمن ابن غنم .
حدثت عن سعيد بن سليمان قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، عن الجراح بن منهال ، عن حبيب بن نجيح ، عن عبد الرحمن بن غنم قال : قدمت المدينة في زمان عثمان ، فأتيت عبد اللّه بن الأرقم فقال : حضرت عمر عند وفاته مع ابن عباس والمسور بن مخرمة فقال عمر :
سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « إن سالما شديد الحب للّه لو كان لا يخاف ما عصاه » فلقيت ابن عباس فذكرت ذلك له فقال : صدق انطلق بنا إلى المسور حتى نحدثك به ، فجئنا المسور فقلت :
إن عبد اللّه بن الأرقم حدثني بهذا الحديث فقال : حسبك لا تسأل عنه بعد عبد اللّه ابن الأرقم .
حدثنا أبو حامد بن جبلة ، حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي ، حدثنا محمود بن خداش ، حدثنا مروان بن معاوية حدثنا سعيد قال : سمعت شهر بن حوشب يقول : قال عمر بن الخطاب : لو استخلفت سالما مولى أبي حذيفة فسألني عنه ربي ما حملك على ذلك لقلت : رب سمعت نبيك صلّى اللّه عليه وسلم وهو يقول : « إنه يحب اللّه حقا من قلبه » .
( فهذا يدل على أن من الناس من لا يحب اللّه بكل قلبه فيحبه ويحب أيضا غيره ، فلا جرم يكون نعيمه بلقاء اللّه عند القدوم عليه على قدر حبه ، وعذابه بفراق الدنيا عند الموت على قدر حبه لها ) وقال صاحب القوت بعد أن أورد الحديث المذكور ما نصه : ففي دليله أن من المؤمنين من يحب اللّه ببعض قلبه فيؤثره بعض الإيثار توجد فيه محبة الأغيار ، ومنهم من يحبه بكل قلبه فيؤثره على ما سواه ؛ فهذا عابده ومأهوله الذي لا معبود له ولا إله إياه وفيه دليل على أنهم على مقامات في المحبة عن معاني مشاهدات الصفات ما بين البعض في القلوب والكلية ا ه .
وقال الكمال محمد بن إسحاق الصوفي : ذهب قوم من السلف إلى أن محبة الزوجة والولد والأسباب التي هي من ضرورات الحياة تنقص المحبة ، وذهب الإمام الغزالي إلى خلاف ذلك فقال في بعض كلام له : كل ما يحبه العبد من الدنيا ليتوصل بذلك إلى محبة اللّه فهو من محبة اللّه . وأما الإمام أبو طالب المكي فقال : الركون إليها يخرج عن المحبة . قلت : إذا ركن إليها بطبعه وعقله ، وأما بمجرد الطبع فلا يخرج عن المحبة لكن ينقص كمالها عندي لأن المحبة إذا قويت كدرت صفو ما سواها من الشهوات ، فيكون المحب معها بقالبه لا بقلبه ، ويكون مع الشهوات المباحة