تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
آدم على صورته » الصورة الظاهرة المدركة بالبصر فكن مشبها مطلقا ، كما يقال : كن يهوديا صرفا وإلا فلا تلعب بالتوراة ، وإن فهمت منه الصورة الباطنة التي تدرك بالبصائر لا بالأبصار فكن منزها صرفا ومقدسا فحلا ، واطو الطريق فإنك بالواد
شرح
اللّه خلق آدم على صورته » . وعند الطبراني « على صورة وجهه » وعند الدارقطني : « فإن وجه الانسان على صورة الرحمن » وقد تقدم في قواعد العقائد . ( الصورة الظاهرة المدركة بالبصر فكن مشبها مطلقا ) فقد أثبت له ما هو من أوصاف الأجسام ، ( كما يقال ) في الأقوال السائرة : ( كن يهوديا صرفا ) أي خالصا ( وإلّا فلا تلعب بالتوراة وإن فهمت منه الصورة الباطنة التي تدرك بالبصيرة لا بالابصار فكن منزها صرفا ومقدسا فحلا ) ، فالتنزيه من أوصاف الفحولية ، والتشبيه من أوصاف الأنوثية ، وعلى هذا فالمنزه فحل والمشبه مؤنث . وهذا الذي ساقه المصنف هو على ظواهر قواعد الشريعة وعليه أكثر المتكلمين والمنصوص عند أرباب العرفان هو الجمع بين التنزيه والتشبيه ، وقد أشار إلى ذلك الشيخ الأكبر قدس سره في مواضع من كتابه الفصوص ، وقد طعن عليه علماء الرسوم طعنا كليا ومنشؤه عدم الفهم ، ونحن نسوق كلامه قال في فص نوح عليه السلام . اعلم أن التنزيه عند أهل الحقائق في الجناب الإلهي عين التحديد والتقييد ، فالمنزه أما جاهل وإما صاحب سوء أدب : ولكن إذا أطلقاه وقالا به ، فالقائل بالشرائع المؤمن إذا نزهه ووفق عند التنزيه ولم ير غير ذلك فقد أساء الأدب وأكذب الحق والرسل عليهم السلام وهو لا يشعر ، ويتخيل أنه في الحاصل وهو في الفائت وهو كمن آمن ببعض وكفر ببعض ولا سيما ، وقد علم أن ألسنة الشرائع الإلهية إذا نطقت في الحق بما نطقت به إنما جاءت به في العموم على المفهوم الأول ، وعلى الخصوص على كل مفهوم يفهم من وجوه ذلك اللفظ بأي لسان كان في وضع ذلك اللسان ، فإن للحق في كل خلق ظهورا خاصا فهو الظاهر في كل مفهوم وهو الباطن من كل فهم ، إلا عن فهم من قال إن العالم صورته وهويته وهو الاسم الظاهر ، كما أنه بالمعنى روح ما ظهر فهو الباطن فنسبته لما ظهر من صور للعالم نسبة الروح المدبر للصورة فيؤخذ في حدّ الانسان مثلا باطنه وظاهره ، وكذلك كل محدود فالحق محدود بكل حدّ وصور العالم لا تنضبط ولا يحاط بها ، ولا تعلم حدود كل صورة منها إلا قدر ما حصل لكل عالم من صوره ، فكذلك يجهل حدّ اللّه تعالى فإنه لا يعلم حدّه إلا من يعلم حدّ كل صورة وهذا محال حصوله فحد الحق محال ، وكذلك من شبهه ومن نزهه فقد قيده وحدّده وما عرفه ، ومن جمع في معرفته بين التنزيه والتشبيه ووصفه بالوصفين فقد عرفه على الإجمال لأنه يستحيل ذلك على التفصيل لعدم الإحاطة بما في العالم من الصور فقد عرفه مجملا لا على التفصيل ، ولذلك ربط النبي صلّى اللّه عليه وسلم معرفة الحق بمعرفة النفس فقال « من عرف نفسه عرف ربه » ثم قال :فإن قلت بالتنزيه كنت مقيدا * وإن قلت بالتشبيه كنت محدّدا وإن قلت بالأمرين كنت مسددا * وكنت إماما في المعارف سيّدا