شرح
فمن قال بالاشفاع كان مشرّكا * ومن قال بالإفراد كان موحّدا
وإياك والتشبيه إن كنت ثانيا * وإياك والتنزيه إن كنت مفرداقال اللّه تعالى :لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌفنزهوَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[ الشورى : 11 ] فشبه ، قال اللّه تعالى :لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌفشبه وثنىوَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُفنزه وأفرد انتهى نصه مع اختصاره ، وتقرير هذا الكلام من وجهين .
الوجه الأول : فاعلم أن الأنبياء عليهم السلام نزهوا الحق تعالى وبالغوا فيه ، ومع هذا فقد بلغوا عن اللّه تعالى ومن عند أنفسهم كلمات تدل على التشبيه ، فالتنزيه وارد عنهم والتشبيه أيضا صادر عنهم فوجب الجمع بينهما .
فإن قيل : إن أوّلنا أو توقفنا أو أحلنا علم ذلك على اللّه تعالى مع الجزم بأنه منزه عن شائبة الإمكان ارتفع التشبيه مطلقا ولم يبق منه أثر وبقي التنزيه المجرد الذي ليس فيه رائحة من التشبيه ، فكيف يجب الجمع بينهما ؟ وإن لاحظنا التشبيه الصرف ولم نضم إليه التنزيه المحض لزم الجمع بين النقيضين لأن التنزيه ينفي التشبيه والتشبيه برفع التنزيه والجمع بين الاثبات والنفي في أمر واحد من وجه واحد محال ؟
والجواب عنه في مقامين .
المقام الأول : لما كانت هذه العبارات التشبيهية صادرة عن الأنبياء عليهم السلام من غير شك وجب علينا الإيمان بها سواء أولنا أم توقفنا ، ونحن نعني بالتشبيه مجرد الإيمان بتلك العبارات وليس هذا اصطلاحا مجردا ، فإن تلك الألفاظ تدل على التشبيه بلا شك . غاية ما في الباب أننا إما نؤوّل أو نتوقف ونكل علمها إلى اللّه تعالى ، وهذا لا ينافي التشبيه بهذا المعنى .
المقام الثاني : أن أهل السنّة أثبتوا الصفات الزائدة بقياس الغائب على الشاهد . فهي معان مشتركة بيننا وبين اللّه تعالى ، وهذا القدر من التشبيه وأف كاف ، ولهذا سمت المعتزلة أهل السنّة مشبهة وهذا بواسطة قياس الغائب على الشاهد الذي هو عين التشبيه ، وهذا المقام أقوى وأظهر من الأوّل لأن فيه التشبيه واضح بغير شبهة ، وكلما ذكرنا التشبيه فهذا المعنى هو مرادنا به لا غير .
الوجه الثاني : إعلم أن الذات كما تقرر عندهم مبدأ جميع الأحكام والآثار ، ولها وجه العينية بالنسبة إلى الأشياء ، ولها أيضا وجه الغيرية . فوجه العينية تشبيه ، ووجه الغيرية تنزيه ، وفي الواقع أنه عين من وجه وغير من وجه ، لا جرم كان التنزيه فقط تحديدا وتقييدا ، والتشبيه فقط أيضا تحديدا وتقييدا ، وكلا الطرفين إفراط وتفريط ، وكمال الاعتدال هو أن نسبة الذات من حيث هي تنزيه ومن حيث العينية تشبيه بحيث لا يكون هذا مانعا من ذاك ولا ذاك من هذا ، فإذا المنزه الصرف إن علم هذا المعنى أو لم يعلم وجرد التنزيه على التشبيه فهو قليل الأدب ، والتشبيه الصرف الخالي عن التنزيه كفر وضلال ؛ فالتنزيه من حيث الذات المنزه عن الكيف والتشبيه من حيث المعية والمقارنة