المقدس طوى ، واستمع بسر قلبك لما يوحى ، فلعلك تجد على النار هدى ، ولعلك من سرادقات العرش تنادي بما نودي به موسى
إِنِّي أَنَا رَبُّكَ
[ طه : 12 ] فلما سمع
شرح
ومبدئيته لسائر الاحكام . وقال قدس سره في هذا الفصل أيضا : لو أن نوحا عليه السلام جمع في دعوته بين التشبيه والتنزيه كما جمع محمد صلّى اللّه عليه وسلم في آيةلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌلقبلوا وأجابوا دعوته كما أجابت أمة محمد محمدا صلّى اللّه عليه وسلم ، فإنه شبه ونزه في آية بل في نصف آية على تقدير أن تكون الكاف غير زائدة ، فإثبات المثل تشبيه ونفي مثل المثل تنزيه ، فما دعا محمد صلّى اللّه عليه وسلم قومه ليلا ونهارا بل دعاهم ليلا في نهار ونهارا في ليل . يعني شبه في تنزيه ونزه في تشبيه ا ه .
ويوضحه ما قاله الفخر الرازي في كتابه تأسيس التقديس : وليس في القرآن ما يدل على التنزيه بطريق التصريح إلا قوله تعالى :لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌودلالته على التنزيه ضعيفة ا ه .
وكان مراده بضعف الدلالة تعقيبة بهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُمع وجود الكاف لأن المعنى مع وجوده ليس مثل مثله شيء .
وأما قول الشيخ قدس سره في قوله تعالى :إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً[ نوح : 5 ] يعني ليل التنزيه ونهار التشبيه فهو من باب الإشارة لا من باب العبارة والتفسير إذ التنزيه نفي المماثلة والمشابهة وهو أمر سلبي عدمي فلا يدرك من الذات المنزهة إلا السلب ، وأما هي في حدّ ذاته فلم تدرك كما أن الظلمة عبارة عن الليل لأنها أمر عدمي ولا يبصر فيها شيء فهو عدم الادراك ، فالليل يناسب التنزيه والنهار عبارة عن النور والنور أمر وجودي وهو يدرك ويدرك بواسطته الأشياء أيضا ، والتشبيه اثبات صفات وجودية حقيقية مثل السمع والبصر والكلام واليدين وغيرهما والصفات الوجودية لها ظهور ، فالنهار يناسب النور وقس قوله في قوله تعالى :ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً[ نوح : 9 ] ان الاعلان تشبيه والاسرار تنزيه ، والدعوة قد تكون إلى التنزيه فقط وقد تكون إلى التشبيه فقط ، والكمال في الجمع بينهما والتنزيه فقط مرتبة عظيمة . ومن مراتب الكمال والتشبيه فقط نوعان : أحدهما : مذموم وهو تشبيه الحق بالخلق في الذات كما تقوله المجسمة وهو كفر ، والثاني : محمود وهو التشبيه بمعنى اثبات الصفات الثبوتية له ، وهذا التشبيه أيضا مرتبة عظيمة ، ومن مراتب الكمال وأكملها الجمع بينهما ، وهذه المرتبة من خواص أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فافهم ذلك بتدبر ولا تعجل بالانكار واللّه أعلم . ولنعد إلى شرح كلام المصنف رحمه اللّه تعالى :
( واطو الطريق ) الطيّ خلاف النشر . يقال : طويته طيا فانطوى ، وطيّ الطريق قطع المسافة فيه بسرعة ، ( فإنك بالواد المقدس طوى ) عطف بيان للوادي وهو اسم بقعة بالقرب من جبل الطور ، ( واستمع بسرّ قلبك لما يوحى ) أي لما يلقى إليك وحيا أو إلهاما أو نفثا في الروع ، ( فلعلك تجد على النار ) المتوقدة في شجرة خضراء ( هدى ) أي هاديا يدلك على طريق سلوكك إلى مولاك ، ( ولعلك من سرادقات العرش تنادي بما نودي به موسى ) عليه السلام :
(إِنِّي أَنَا رَبُّكَالأعلى ) وذلك من جميع جهاتك وجميع أعضائك ، ( فلما سمع السالك من