ولا يفهم هذا إلا بمثال وهو أن الملك قد يقرب عبده من نفسه ويأذن له في كل وقت في حضور بساطه لميل الملك إليه ، أما لينصره بقوّته أو ليستريح بمشاهدته أو ليستشيره في رأيه أو ليهيئ أسباب طعامه وشرابه ، فيقال : إن الملك يحبه ، ويكون معناه ميله إليه لما فيه من المعنى الموافق الملائم له ، وقد يقرب عبدا ولا يمنعه من الدخول عليه لا للانتفاع به ولا للاستنجاد ولكن لكون العبد في نفسه موصوفا من الأخلاق المرضية والخصال الحميدة بما يليق به أن يكون قريبا من حضرة الملك وافر الحظ من قربه ، مع أن الملك لا غرض له فيه أصلا ، فإذا رفع الملك الحجاب بينه وبينه يقال : قد أحبه ،
شرح
والمحبة على لسان العلماء هي الإرادة ، وليس مراد القوم بالمحبة الإرادة ، فإن الإرادة لا تتعلق بالقديم ، اللهم إلا أن يحمل على إرادة القرب إليه والتعظيم له ، ثم قال : فمحبة الحق سبحانه للعبد إرادته لانعام مخصوص عليه كما أن رحمته إرادة الأنعام ، فالرحمة أخص من الإرادة والمحبة أخص من الرحمة ، فإرادة اللّه تعالى أن يوصل إلى العبد الثواب ، والإنعام يسمى رحمة وإرادته بأن يخصه بالقربة والأحوال العلية يسمى محبة ، وإرادته سبحانه صفة واحدة ، فبحسب تفاوت متعلقاتها تختلف أسماؤها ، فإذا تعلقت بالعقوبة تسمى غضبا ، وإذا تعلقت بعموم النعم تسمى رحمة ، وإذا تعلقت بخصوصها تسمى محبة ، وقوم قالوا : محبة الحق للعبد مدحه له وثناؤه عليه بالجميل فيعود معنى محبته على هذا القول إلى كلامه وكلامه قديم ، وقال قوم : محبته للعبد من صفات فعله فهو إحسان مخصوص يلقى العبد به حالة مخصوصة يرقيه إليها ، كما قال بعضهم : إن رحمته بالعبد نعمته معه ، وقوم من السلف قالوا : محبته من الصفات الخيرية ، فاطلقوا اللفظ وتوقفوا على التفسير ، فأما ما عدا هذه الجملة مما هو المعقول من صفات محبة الخلق كالميل إلى الشيء والإستئناس بالشيء ، وكحالة يجدها المحب مع محبوبه من المخلوقين فالقديم سبحانه يتعالى عن ذلك ا ه .
المقصود منه ، وقوله : فإن الإرادة لا تتعلق بالقديم أي الإرادة من العبد ، وهذا بناء على أن أثرها التخصيص فلا تتعلق بالقديم كما لا تتعلق بالمستحيل ، وحاصل ما ذكره من الأقوال أربعة وهي ترجع إلى قولين الإرادة والكلام لرجوع الفعل إلى الإرادة والخبرية إلى الكلام .
( ولا يفهم هذا إلا بمثال ، وهو أن الملك قد يقرب عبده من نفسه ويأذن له في كل وقت في حضور بساطه ) والمثول بين يديه ( لميل الملك إليه إما لينصره بقوته ، أو ليستريح بمشاهدته ، أو ليستشيره في رأيه ، أو ليهيء أسباب طعامه وشرابه ، فيقال : إن الملك يحبه ويكون معناه ميله إليه لما فيه من المعنى الموافق الملائم له ، وقد يقرب عبدا ولا يمنعه من الدخول عليه لا للانتفاع ولا للاستنجاد ) في خدمته ، ( ولكن لكون العبد في نفسه موصوفا من الأخلاق المرضية والخصال الحميدة بما يليق به أن يكون قريبا من حضرة الملك وافر الحظ من قربه ، مع أن الملك لا غرض له فيه أصلا ، فإذا رفع الملك الحجاب بينه