تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
عليه قوله تعالى :
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
[ المائدة : 54 ] فقال بحق يحبهم فإنه ليس يحب إلا نفسه ، على معنى الكل وأن ليس في الوجود غيره ، فمن لا يحب إلا نفسه وأفعال نفسه وتصانيف نفسه فلا يجاوز حبه ذاته وتوابع ذاته من حيث هي متعلقة بذاته ، فهو إذا لا يحب إلا نفسه ، وما ورد من الألفاظ في حبه لعباده فهو مؤوّل ويرجع معناه إلى كشف الحجاب عن قلبه حتى يراه بقلبه وإلى تمكينه إياه من القرب منه وإلى إرادته ذلك به في الأزل ، فحبه لمن أحبه أزلي مهما أضيف إلى الإرادة الأزلية التي اقتضت تمكين هذا العبد من سلوك طرق هذا القرب ، وإذا أضيف إلى فعله الذي يكشف الحجاب عن قلب عبده فهو حادث يحدث بحدوث السبب المقتضي له كما قال تعالى : « لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه » فيكون تقربه بالنوافل سببا لصفاء باطنه وارتفاع الحجاب عن قلبه وحصوله في درجة القرب من ربه ، فكل ذلك فعل اللّه تعالى ولطفه به فهو معنى حبه .
شرح
( ولذلك قال الشيخ أبو سعيد ) الفضيل بن أحمد بن محمد ( الميهني ) بكسر الميم وسكون التحتية نسبة إلى ميهنة قرية بخابران بني سرخس وأبي ورد وأبو سعيد المذكور يعرف بابن أبي الحسن صاحب كرامات وسمع الحديث من زاهر السرخسي وغيره توفي سنة 44 ( رحمه اللّه تعالى لما قرئ عليه قوله تعالى : )فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ ( يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُفقال : بحق يحبهم فإنه ليس يحب إلا نفسه على معنى أنه الكل ، وأن ليس في الوجود غيره ) إذ وحدته ذاتية وكثرته اعتبارية ، فهو عين كل في تعيناته من حيث الظهور فقط ، ( فمن لا يحب إلا نفسه وأفعال نفسه وتصانيف نفسه فلا يجاوز حبه ذاته وتوابع ذاته من حيث هي متعلقة بذاته ، فهو إذا لا يحب إلا نفسه ) هذا من حيث الحقيقة ، ( وما ورد من الألفاظ في حبه لعباده فهو مؤول ويرجع معناه ) إما ( إلى كشف الحجاب عن قلبه حتى يراه بقلبه ) أي بعين بصيرته الباطنة ( و ) إما ( إلى تمكينه إياه من القرب منه ، و ) إما ( إلى إرادته ذلك في الأزل ، فحبه لمن أحب أزلي مهما أضيف إلى الإرادة التي اقتضت تمكين هذا العبد من سلوك طرق هذا القرب ، وإذا أضيف إلى فعله الذي يكشف الحجاب عن قلب عبده فهو حادث يحدث بحدوث السبب المقتضى له كما قال تعالى ) في الحديث القدسي الذي رواه البخاري في الصحيح عن أبي هريرة : ( « ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه » ) وقد تقدم تمامه قريبا ، ( فيكون تقربه بالنوافل سببا في إصفاء باطنه وارتفاع الحجاب عن قلبه وحصوله في درجة القرب من ربه ، وكل ذلك فعل اللّه ولطفه به فهو معنى حبه ) فمحبة العبد للّه لأجل حب اللّه له وحمد اللّه لعبده من أجل حبه له ، فالسعداء من العباد محبوبون محمودون من اللّه واللّه محمود منهم وبحمد اللّه نالوا حمده ، كما نالوا بحبه لهم حبه ، وهو معنى قوله تعالىرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ[ المائدة : 119 ] قال القشيري في الرسالة : المحبة حالة شريفة شهد الحق سبحانه بها للعبد وأخبر محبته للعبد ، فاللّه سبحانه يوصف بأنه يحب العبد والعبد يوصف بأنه يحب الحق ،
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 439 | مرتضى الزبيدي