شرح
الأولى : وجود مستفاد من الغير ، وهو المشهور عند العقلاء في الماهيات الممكنات ، فهذا لا بد من ثلاثة أشياء . أحدها : ذات ماهية الممكن ، والثاني : وجود هو مستفاد من الغير ، والثالث : هو الغير مفيض الوجود على الماهية ، ولا شك أن انفكاك الوجود في هذه الموجودات بنظر ذاتها جائز بل واقع .
الثانية : ذات تقتضي وجودا من حيث أن انفكاكه محال كوجود واجب عند جمهور المتكلمين ، فههنا لا بد من الاثنينية أحدها : ذات الواجب ، والثاني وجود هو المستفاد منها ، وانفكاك الوجود من هذه الموجودات محال لكن باعتبار مغايرتها للذات في التصور يمكن انفكاكه .
الثالثة : موجود بوجوده وذاته عينه وقائم بذاته لا بغيره ، فحقيقة الوجود في هذه المرتبة لا يكون إلا أمرا واحدا وهو موجود ، ووجود الأشياء موجود منه ، فلاتحاد الوجود والذات انفكاك التصور محال ، وفي الوجودية فوق هذه المرتبة لا يمكن التصور ، وهذا كحال الواجب الوجود عند المتكلمين ، وعند الطائفة الصوفية واجب الوجود وجود بحت يعني في واجب الوجود لا يكون شيئان ذات ووجود هو عارض لها ، بل واجب الوجود هو ذات محض قائم بذاته ، وهم مع الطائفة الأولى متفقون عليه بهذا المقدار ولم يقولوا الوجود عين الموجود ، هذا يفهم من بديهيات العقل لا يمكن الوجود أعلى وأقوى من هذه المرتبة وإن كان ممكنا من هذه المرتبة فوقية الوجود لا بد هو واجب الوجود لا هذا ، وأرباب النظر يقولون : العقل يحكم أن حقيقته واجب الوجود ينبغي أن يكون وجود ، وواجب الوجود لا ينبغي أن يكون كليا يعني لا يكون كليا ، والعموم عارض له لأنه إن كان كليا لا بد أن يكون في الخارج له صورة فيلزم أن يكون واجب الوجود مركبا من كلي وتعين التركيب على واجب الوجود محال ، بل ينبغي لواجب الوجود أن يكون في حد ذاته متعينا وتعينه عين ذاته حتى لا يتصور بوجه من الوجوه التركيب والتعدد ، فينبغي أن يكون الواجب قائما بذاته ، وإن كان قائما بالغير فيكون محتاجا إليه ، ونسبة الاحتياج إلى الواجب محال بل تصور الاحتياج إله كفر ، فلزم أن تكون حقيقة الوجود عين الواجب ، فحقيقة الوجود بذاته يكون متعينا حقيقيا وقائما بذاته ، فحينئذ تعدد حقيقة الوجود بحسب الأفراد وعروض حقيقة الوجود لماهيات الممكنات من المحالات . وقد فهم من هذا أن واجب الوجود وجود مطلق ، والمراد بالمطلق أن يكون عارض الماهية . بل قائم بذاته ومقيد بتعينه وبذاته متعين ومقيد ، وأن إطلاق الوجود على غير واجب الوجود مجاز لأن الوجود عارضه ولا جزؤه ولا عينه ، بل موجودية الأشياء لها تعلق به وله أثر فيها ، ولا يكون الوجود لها عارضا ولا فيها . هذا كلام أرباب البحث والنظر والعقل والصوفية يقولون : عندنا طريق غير طريق العقل وهو المكاشفة ، والعقل فيها عاجز ، وقد تقرر عندنا أن حقيقة الوجود عين واجب الوجود وهو لا كلي ولا جزئي ولا خاص ولا عام ، بل مطلق من جميع القيود حتى من قيد الإطلاق أيضا ، وهذه الحقيقة في جميع الأشياء تتصف بوجود التجلي والظهور ، يعني لا تكون الأشياء خالية عنه وإن كانت خالية من حقيقة الوجود ،