تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
وكثرت منازلتي ولا يزال يحيلني من طمعت به في معرفة هذا الأمر منه على غيره ، ولكني كنت أطيب نفسه بكثرة الترداد لما كنت أسمع كلاما مقبولا في الفؤاد وعذرا ظاهرا في دفع السؤال ، فأما قولك : إني خط ونقش وإنما خطني قلم فلست أفهمه فإني لا أعلم قلما إلا من القصب ، ولا لوحا إلا من الحديد أو الخشب ، ولا خطا إلا بالحبر ، ولا سراجا إلا من النار ، وإني لأسمع في هذا المنزل حديث اللوح والسراج والخط والقلم ولا أشاهد من ذلك شيئا . اسمع جعجعة ولا أرى طحنا ، فقال له العلم : إن صدقت فيما قلت فبضاعتك مزجاة وزادك قليل ومركبك ضعيف ، واعلم أن المهالك في الطريق التي توجهت إليها كثيرة . فالصواب لك أن تنصرف وتدع ما أنت فيه ، فما هذا بعشك ، فادرج عنه فكل ميسر لما خلق له ، وإن كنت راغبا في استتمام الطريق إلى المقصد فألق سمعك وأنت شهيد . واعلم أن العوالم في طريقك هذا ثلاثة : عالم الملك والشهادة أولها ولقد كان الكاغد والحبر والقلم واليد من هذا العالم ، وقد جاوزت تلك المنازل على سهولة ، والثاني عالم
شرح
تعبي في هذا الطريق وكثرت منازلتي ولا يزال يحيلني من طمعت به في معرفة هذا الأمر على غيره ، ولكني كنت أطيب نفسا بكثرة الترداد لما كنت أسمع كلاما مقبولا في الفؤاد وعذرا ظاهرا في دفع السؤال ، فأما قولك : ) أيها العلم ( إني خط ونقش وإنما خطني قلم فلست أفهمه ، فإني لا أعلم قلما إلا من القصب ولا لوحا إلا من الحديد أو الخشب ولا خطا إلا بالحبر ولا سراجا إلا من النار ، وإني لا أسمع في هذا المنزل حديث اللوح والسراج والخط والقلم ولا أشاهد منه شيئا أسمع جعجعة ولا أرى طحنا ) وهو مثل مشهور يضرب للجبان يوعد ولا يوقع ، وللبخيل يعد ولا ينجز ، ولمن يكثر الكلام ولا يعمل . والجعجعة : صوت الرحى والطحن بالكسر اسم بمعنى المطحون ، ( فقال له العلم : إن صدقت فيما قلت فبضاعتك مزجاة ) تدفع بها الأيام لقلتها ، ( وزادك قليل ومركبك ضعيف هزيل ، والهلاك في الطريق الذي توجهت إليه كثير . فالصواب لك أن تنصرف وتدع ما أنت فيه ، فما هذا بعشك فادرج عنه ) . وأصل المثل : ليس بعشك فادرجي ، ( وكل ميسر لما خلق له ) كما في الخبر ، ( وإن كنت راغبا في استتمام الطريق إلى المقصد ) العالي ( فالق سمعك وأنت شهيد ) أي شاهد بقلبك . ( واعلم أن العوالم في طريقك هذه ثلاثة : عالم الملك والشهادة أولها ) ، وهو عبارة عن عالم المحسوسات الطبيعية ، والملك بالضم التصرف بالأمر والنهي في الجمهور ، والعالم كل ما سوى اللّه تعالى من الموجودات ، وسمي عالم الشهادة بالإضافة إلى الملكوت الذي هو عالم الغيب ، ( ولقد كان الكاغد والحبر والقلم واليد من هذا العالم ، وقد جاوزت تلك المنازل على سهولة ) .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 41 | مرتضى الزبيدي