تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
جمعي وبددني كما ترى على ساحة بيضاء فالسؤال عليه لا علي ! فقال : صدقت ، ثم سال القلم عن السبب في ظلمه وعدوانه وإخراج الحبر من أوطانه فقال : سل اليد والأصابع فإني كنت قصبا نابتا على شط الأنهار متنزها بين خضرة الأشجار ، فجاءتني اليد بسكين فنحت عني قشري ومزقت عني ثيابي واقتلعتني من أصلي وفصلت بين أنابيبي ثم برتني وشقت رأسي ثم غمستني في سواد الحبر ومرارته وهي تستخدمني وتمشيني على قمة رأسي ولقد نثرت الملح على جرحي بسؤالك وعتابك ، فتنح عني وسل من قهرني ، فقال : صدقت ، ثم سأل اليد عن ظلمها وعدوانها على القلم واستخدامها له ، فقالت اليد : ما أنا إلا لحم وعظم ودم ، وهل رأيت لحما يظلم أو جسما يتحرك بنفسه ؟ أنا مركب مسخر ركبني فارس يقال له القدرة والعزة ، فهي التي ترددني ، وتجول بي في نواحي الأرض ، أما ترى المدر والحجر والشجر لا يتعدى شيء منها مكانه ولا يتحرك بنفسه إذا لم يركبه مثل هذا الفارس القوي القاهر ، أما ترى أيدي الموتى تساويني في صورة اللحم والعظم
شرح
القلم بطمعه ) وفي نسخة بطبعه ( الفاسد ) فأخذني ( واختطفني من وطني ) ومستقري ( وأجلاني عن بلادي ) أي أبعدني عنها ، ( وفرق جمعي وبددني كما ترى على ساحة بيضاء ) يعني على صفحة الكاغد ، ( فالسؤال ) يتوجه ( عليه لا علي ، فقال ) الناظر : ( صدقت ، ثم سأل القلم عن السبب في ظلمه وعدوانه وإخراج الحبر من أوطانه . فقال : سل اليد والأصابع فإني كنت قصبا نابتا على شط الأنهار متنزها بين خضرة الأشجار ) متمايلا طربا عند نسائم الأسحار ، ( فجاءتني اليد بسكين ) حاد ( فنحت عني قشري ) أي أزالته ( وفرقت عني ثيابي ) هي تلك القشور التي عليه بمنزلة الثياب ، ( واقتلعتني من أصلي وفصلت بين أنابيبي ) جمع أنبوب بالضم هو ما بين الكعبين من القصب والقنا ، ( ثم برتني وشقت رأسي وغمستني في سواد الحبر ومرارته ) كانوا يدخلون في تركيبه شيئا مرا لئلا تقع عليه الذباب ولا تقطعه الأرضة ( وهي تستخدمني وتمشيني على قمة رأسي ) وقمة كل شيء أعلاه ، ( ولقد نثرت الملح على جرحي بسؤالك وعتابك ) وهو كناية عن شدة التألم ( فتنح عني وسل من قهرني ، فقال : صدقت ثم ) التفت و ( سأل اليد عن ظلمها وعدوانها على القلم ) واقتطاعها إياه عن منبته وموضع أصله وجمعه ( واستخدامها له ) كيف تشاء ؛ ( فقالت اليد : ما أنا إلا لحم وعظم ودم ) ركبت بالعروق والأعصاب ، ( وهل رأيت لحما يظلم ) أو يعتدي ( أو جسما يتحرك بنفسه ) من غير محرك ، ( وإنما أنا مركب مسخر ركبني فارس يقال له القدرة والقوة ، فهي التي ترددني وتجول بي في نواحي الأرض ، أما ترى المدر والشجر والحجر لا يتعدى شيء منها مكانه ) الذي أقيم فيه ، ( ولا يتحرك بنفسه إذا لم يركبه مثل هذا الفارس القوي القاهر ، أما ترى أيدي الموتى تساويني في صورة اللحم والعظم والدم ثم لا معاملة بينها وبين