دع جميع ذلك وانظر إلى بنائها بيوتها من الشمع ، واختيارها من جملة الأشكال الشكل المسدّس ، فلا تبني بيتا مستديرا ولا مربعا ولا مخمسا بل مسدّسا ، لخاصية في الشكل
شرح
ومن شأنه في تدبير معاشه أنه إذا أصاب موضعا نقيا بنى فيه بيوتا من الشمع أولا ، ثم البيوت التي يأوي فيها الملوك ، ثم بيوت الذكور التي لا تعمل شيئا ، والذكر أصغر جرما من الأنثى وهي تكثر المادة داخل الخلية ، وإذا طارت خرجت بأجمعها وترتفع في الهواء ثم تعود إلى الخلية ، والنحل يعمل الشمع أولا ثم يلقي البذر لأنه بمنزلة العش للطير ، فإذا ألقته قعدت عليه وتحضنه كما يحضن الطير فيكون البذر دون البيض ، ثم تبيض الدود وتغذي نفسها ثم تطير وهو لا يقعد على أزهار مختلفة ، بل على زهر واحد وتملأ بعض البيوت عسلا وبعضها فراخا ، والملوك لا تخرج إلا مع جميل النحل ، فإذا عجز عن الطير حملته والنحل يجتمع فيقسم الأعمال فبعضها يعمل العسل وبعضها يعمل الشمع وبعضها يسقي الماء وبعضها يبني البيوت ، ومن طبعه أنه يهرب بعضه من بعض ويقاتل بعضه بعضا في الخلايا ويلسع من دنا من الخلية ، وإذا هلك منها شيء داخل الخلية أخرجته الأحياء إلى خارج ، وهو يعمل زمان الربيع والخريف ، والذي يعمله في الربيع أجود ، والصغير أعمل من الكبير ويشرب من الماء ما كان عذبا صافيا يطلبه حيث كان ولا يأكل من العسل إلا قدر شبعه ، وإذا قلّ العسل في الخلية قذفه بالماء ليكثر خوفا على نفسه من نفاده لأنه إذا نفد أفسد النحل بيوت الملوك وبيوت الذكر ، وربما قتلت منها ما كان هناك . قال حكيم اليونان لتلامذته : كونوا كالنحل في الخلايا . قالوا : كيف ؟ قال : إنها لا تترك عندها بطالا إلا نفته وأقصته عن الخلية لأنه يضيق المكان ويفني العسل ويعمل النشيط الكسل ، والنحل يسلخ جلده كالحيات وتوافقه الأصوات اللذيذة المطربة ويضره السوس ، ودواؤه أن يطرح في كل خلية كف ملح وأن تفتح في كل شهر مرة وتدخن بإخثاء البقر ، ومن طبعه أنه إذا طار من الخلية ليرعى وعاد تعود كل نحلة إلى مكانها لا تخطئه ، وأهل مصر يحوّلون الخلايا في السفر ويسافرون بها إلى موضع الزهر والشجر ، فإذا اجتمع إلى المرعى فتحت أبواب الخلايا فيخرج منها ويرعى يومه أجمع ، فإذا أمسى عاد إلى السفينة وأخذت كل واحدة مكانها لا تتغير عنه . وروى البيهقي في الشعب عن مجاهد قال : صحبت ابن عمر من مكة إلى المدينة ، فما سمعته يحدث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلا هذا الحديث : « إن مثل المؤمن مثل النحلة إن صاحبته نفعك وإن شاورته نفعك وإن جالسته نفعك وكل شأنه منافع وكذلك النحلة كل شأنها منافع » قال ابن الأثير : وجه المشابهة بين المؤمن والنحلة حذق النحل وفطنته وقلة أذاه وحقارته ومنفعته وقنوعه وسعيه في الليل وتنزهه عن الأقذار وطيب أكله ، وأنه لا يأكل من كسب غيره ونحوله وطاعته لأميره ، وأن للنحل آفات تقطعه عن عمله . منها الظلمة والغيم والريح والدخان والماء والنار ، وكذلك المؤمن له آفات تفتره عن عمله ظلمة الغفلة وغيم الشك وريح الفتنة ودخان الحرام وداء السعة ونار الهوى .
( ثم دع عنك جميع ذلك وانظر إلى بنائها بيوتها من الشمع واختيارها من جملة الأشكال الشكل المسدس ) الذي لا ينخرق ، ( فلا تبني بيتا مستديرا ولا مربعا ولا مخمسا بل مسدسا