الآخر شفاء ، ثم لو تأملت عجائب أمرها في تناولها الأزهار والأنوار واحترازها عن النجاسات والأقذار ، وطاعتها لواحد من جملتها هو أكبرها شخصا وهو أميرها ، ثم ما سخر اللّه تعالى له أميرها من العدل والإنصاف بينها - حتى إنه ليقتل على باب المنفذ كل ما وقع منها على نجاسة - لقضيت منها عجبا آخر العجب إن كنت بصيرا في نفسك وفارغا من هم بطنك وفرجك وشهوات نفسك في معاداة أقرانك وموالاة إخوانك . ثم
شرح
والآخر شفاء ) لف ونشر مرتب ، وفي قوله : من لعابها إشارة إلى أن العسل يخرج من أفواهها وهو قول الجمهور . ونقل ابن عطية في تفسيره عن علي رضي اللّه عنه أنه قال في تحقير الدنيا أشرف لباس ابن آدم لعاب دودة ، وأشرف شرابه رجيع نحله ، وظاهر هذا أنه من غير الفم .
قلت : والمعروف من كلامه : فأشرف المطعوم العسل وهو مذقة ذباب وقد تقدم ذكره في كتاب ذم الدنيا ، والتحقيق أن العسل يخرج من بطونها ولا يدري من فيها أو غيره ، وقد صنع أرسطاطاليس بيتا من زجاج لينظر إلى كيفية ما تصنع فأبت أن تعمر حتى لطخته من باطن الزجاج بالطين ذكره القزويني . وفي تفسير الكواشي الأوسط أن العسل ينزل من السماء فينبت في أماكن فتأتي النحل فتشربه ، ثم تأتي الخلية فتلقيه في المهيأ للعسل في الخلية لا كما يتوهمه بعض الناس أن العسل من فضلات الغذاء ، وأنه قد استحال في المعدة عسلا هذه عبارته .
( ثم لو تأملت عجائب أمرها في تناولها الأزهار والأنوار ) فيستحيل في جوفها عسلا وتلقيه من أفواهها فيجتمع منه القناطير المقنطرة ، وهذا الذي دل عليه القرآن . واختلاف لونه وطعمه بحسب اختلاف المرعى ، وفي هذا المعنى قول عائشة : جرست نحله العرفط حتى شبهت رائحته برائحة المعافير ، ( واحترازها عن النجاسات والأقذار ) فلا تقع إلا على الطيبات من الثمار والأزهار وتخرج رجيعها في الخلية لأنه منتن الريح ، ( وطاعتها لواحد من جملتها ) يسمى اليعسوب ( هو أكبرها شخصا وهو أميرها ) ، ومن خصائصه أنه ليس له حمة يلسع بها ، وأفضل ملوكها الشقر وأوسطها الرقط بسواد ولا يتم أمرها إلا به . وقد جاء ذكره في حديث أبي أمامة .
« إن أحدكم إذا أراد أن يخرج من المسجد تداعت جنود إبليس واجتمعت كما تجتمع النحل إلى يعسوبها » رواه ابن السنى في اليوم والليلة . وروى ابن عدي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال لعلي « أنت يعسوب المؤمنين » . ( ثم ما سخر اللّه تعالى له أميرها من العدل والإنصاف بينها حتى أنه ليقتل على باب المنفذ كل ما وقع منها على نجاسة ) أي أنه إذا رأت فسادا من ملك إما أن تعزله وإما أن تقتله وأكثر ما يقتل خارج الخلية ( لقضيت منها عجبا ) وفي نسخة العجب ( إن كنت بصيرا في نفسك وفارغا من هم بطنك وفرجك وشهوات نفسك في معاداة أقرانك وموالاة إخوانك ) .
قال القزويني : هو حيوان ذو فهم وكيس وشجاعة ونظر في العواقب ومعرفة بأصول السنة وأوقات المطر وتدبير المربع والطاعة لأميره والإستكانة لكبيره وقائده بديع الصنعة . وقال غيره :