تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
يجري مجراه ، فانظر في البعوض على قدر صغر قدر قدره وتأمله بعقل حاضر وفكر صاف ، فانظر كيف خلقه اللّه تعالى على شكل الفيل الذي هو أعظم الحيوانات ! إذ خلق له خرطوما مثل خرطومه ، وخلق له على شكله الصغير سائر الأعضاء كما خلقه للفيل بزيادة جناحين ، وانظر كيف قسم أعضاءه الظاهرة فانبت جناحه ، وأخرج يده ورجله ، وشق سمعه وبصره ، ودبر في باطنه من أعضاء الغذاء وآلاته ما دبره في سائر الحيوانات ، وركب فيها من القوى الغاذية والجاذبة والدافعة والماسكة والهاضمة ما ركب في سائر الحيوانات ، هذا في شكله وصفاته ، ثم انظر إلى هدايته كيف هداه اللّه تعالى إلى غذائه وعرفه أن غذاءه دم الإنسان ثم انظر كيف أنبت له آلة الطيران إلى الإنسان ! وكيف خلق له الخرطوم الطويل وهو محدد الرأس ! وكيف هداه إلى مسام بشرة الإنسان حتى يضع خرطومه في واحد منها ! ثم كيف قواه حتى يغرز فيه الخرطوم ! وكيف علمه المص
شرح
إلى البعوض ) وهو صنفان : صنف يشبه القراد لكن أرجله خفيفة ورطوبته ظاهرة وإليه أشار الجوهري بقوله ، وصنف في خلقة الفيل وهو المعروف بالناموس وهو المراد به هنا ( على صغر قدره وتأمله بعقل حاضر وفكر صاف ، فانظر كيف خلقه اللّه تعالى على شكل الفيل الذي هو أعظم الحيوانات إذ خلق له خرطوما مثل خرطومه وخلق له على شكله الصغير سائر الأعضاء كما خلقه للفيل بزيادة جناحين ) في كل ناحية ورجلين ، فللفيل أربعة أرجل وخرطوم وذنب ، وللبعوض مع هذه الأعضاء رجلان زائدتان وأربعة أجنحة . ( وانظر كيف قسم أعضاءه الظاهرة فأنبت جناحه وأخرج يده ورجله وشق سمعه وبصره ) وأودع في مقدمة دماغه قوة الحفظ وفي وسطه قوة الفكر وفي مؤخره قوة الذكر ، وخلق له حاسة البصر وحاسة السمع وحاسة اللمس وحاسة الشم ، ( ودبر في باطنه من أعضاء الغذاء وآلاته ما دبره في سائر الحيوانات ، وركب فيها من القوى الغاذية والجاذبة والدافعة والماسكة والهاضمة ما ركب في سائر الحيوانات ) ، وخلق له منفذ للغذاء ومخرجا للفضلة ، وخلق له جوفا ومعي وعظاما أنشد الزمخشري في الكشاف :ويرى نياط عروقها من لحمها * والمخ في تلك العظام النحل( هذا في شكله وصفاته . ثم انظر إلى هدايته كيف هداه اللّه تعالى إلى غذائه وعرفه أن غذاءه دم الإنسان ، ثم انظر كيف أنبت له آلة الطيران إلى الإنسان ، وكيف خلق له الخرطوم الطويل وهو محدد الرأس ، وكيف هداه إلى مسام بشرة الإنسان ) التي يخرج منها العرق فيتوخاها ، ( حتى يضع خرطومه في واحد منها ثم قواه حتى يغرز فيه الخرطوم ) ويشتد عضه ويقوى على خرق الجلود الغلاظ قال الراجز :مثل السقاة دائما طنينها * ركب في خرطومها سكينها