فإن قلت : فهذه أعجوبة لا يقبلها العقل فصف لي كيفية نطقها وإنها كيف نطقت وبما ذا نطقت ، وكيف سبحت وقدست ، وكيف شهدت على نفسها بالعجز ؟
فاعلم أن لكل ذرة في السماوات والأرض مع أرباب القلوب مناجاة في السر ، وذلك مما لا ينحصر ولا يتناهى ، فإنها كلمات تستمد من بحر كلام اللّه تعالى الذي لا نهاية له
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ
[ الكهف : 109 ] الآية ، ثم إنها تتناجى بأسرار الملك والملكوت ، وإفشاء السر لؤم ، بل صدور الأحرار قبور الأسرار ، وهل رأيت قط أمينا على أسرار الملك قد نوجي بخفاياه فنادى بسره على ملأ من الخلق ، ولو جاز افشاء كل سر لنا لما قال صلّى اللّه عليه وسلم : « لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا » بل كان يذكر ذلك لهم حتى يبكون ولا يضحكون . ولما نهى عن إفشاء سر القدر ولما قال : إذا ذكر النجوم فأمسكوا ، وإذا ذكر القدر فأمسكوا ، وإذا ذكر
شرح
( فإن قلت : فهذه أعجوبة لا يقبلها العقل فصف لي كيفية نطقها وأنها كيف نطقت وبما ذا نطقت ، وكيف سبحت وقدست ، وكيف شهدت على أنفسها بالعجز ) .
( فاعلم أن لكل ذرة في السماوات والأرض مع أرباب القلوب مناجاة في السر ، وذلك مما لا ينحصر ولا يتناهى فإنها كلمات تستمد من بحر كلام اللّه تعالى الذي لا نهاية له و ) ذلك في قوله تعالى :قُلْ ( لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّيالآية . ثم إنها تناجي بأسرار الملك والملكوت ، وإفشاء السر لؤم ) أي يدل على لؤم الطبيعة ، ( بل صدور الأحرار قبور الأسرار ) كما في الأمثال السائرة ، ( وهل رأيت قط أمينا على أسرار الملك قد نوجي بخفاياه فنادى بسره على ملأ من الخلق ، ولو جاز إفشاء كل سر لنا لما قال صلّى اللّه عليه وسلم « لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا » ) رواه أحمد والدارمي والشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان من حديث أنس بلفظ « لو تعلمون ما أعلم » وقد تقدم ، ( بل كان يذكر ذلك لهم حتى يبكون ولا يضحكون ، ولما نهى عن إفشاء سر القدر ) قال العراقي : رواه ابن عدي وأبو نعيم في الحلية من حديث ابن عمر : « القدر سر اللّه فلا تفشوا للّه عز وجل سره » هذا لفظ أبي نعيم . وقال ابن عدي « لا تكلموا في القدر فإنه سر اللّه » الحديث وهو ضعيف وقد تقدم انتهى .
قلت : وتمامه « فلا تفشوا للّه سره » .
( ولما قال ) صلّى اللّه عليه وسلم : ( « إذا ذكر النجوم فامسكوا ، وإذا ذكر القدر فامسكوا ، وإذا ذكر أصحابي فامسكوا » ) رواه الطبراني وابن حبان في الضعفاء ، وأبو نعيم في الحلية ، وابن صصري في أماليه من حديث ابن مسعود بلفظ « إذا ذكر أصحابي فامسكوا ، وإذا ذكرت النجوم