تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
ومثال أطوار الخلق في لذاتهم ما نذكره : وهو أن الصبي في أول حركته وتمييزه يظهر فيه غريزة بها يستلذ اللعب واللهو ، حتى يكون ذلك عنده ألذ من سائر الأشياء ، ثم يظهر بعده لذة الزينة ولبس الثياب وركوب الدواب فيستحقر معها لذة اللعب ، ثم يظهر بعده لذة الوقاع وشهوة النساء فيترك بها جميع ما قبلها في الوصول إليها ، ثم تظهر لذة الرئاسة والعلو والتكاثر ، وهي آخر لذات الدنيا وأعلاها وأقواها كما قال تعالى :
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ
[ الحديد : 20 ] الآية . ثم بعد هذا تظهر غريزة أخرى يدرك بها لذة معرفة اللّه تعالى ومعرفة أفعاله فيستحقر معها جميع ما قبلها ، فكل متأخر فهو أقوى ، وهذا هو الأخير ، إذ يظهر حب اللعب في سنّ التمييز ، وحب النساء والزينة في سن البلوغ ، وحب الرئاسة بعد العشرين ، وحب العلوم بقرب الأربعين ، وهي الغاية العليا ، وكما أن الصبي يضحك على من يترك اللعب ويشتغل بملاعبة النساء وطلب الرئاسة ، فكذلك الرؤساء يضحكون على من يترك الرئاسة ويشتغل بمعرفة اللّه تعالى . والعارفون يقولون :
إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
[ هود : 38 - 39 ] .
شرح
( ومثال أطوار الخلق في لذاتهم ) هو ( ما نذكره ) هنا ، ( وهو أن الصبي في أول حركته وتمييزه تظهر فيه غريزة بها يستلذ اللعب واللهو حتى يكون ذلك عنده ألذ من سائر الأشياء ) فإذا خلى وطبعه مال إلى ما جبل عليه ، ( ثم تظهر ) فيه ( بعده ) غريزة أخرى بها يدرك ( لذة الزينة ولبس الثياب وركوب الدواب ) فيشتغل بها ، ( فيستحقر معها لذة اللعب الذي كان يميل إليه ويحبه ، ثم تظهر ) فيه ( بوادي ) غريزة أخرى يدرك بها ( لذة الوقاع وشهوة النساء ، فيترك بها جميع ما قبلها ) من اللعب والزينة ( في الوصول إليها ، ثم تظهر ) فيه بعده غريزة أخرى يدرك بها ( لذة الرئاسة والعلو والتكاثر ) بالأموال والأولاد ( وهي آخر لذة الدنيا وأعلاها وأقواها ) ، ولذا كانت آخر ما يخرج من دماغ الإنسان من لذات الدنيا هي كما قال بعضهم أما العلو ففي النفس منه شيء ( كما قال تعالى :اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْالآية ) فقد أشار فيه إلى تلك المقامات الثلاث ، ( ثم بعد هذا تظهر غريزة أخرى يدرك بها لذة معرفة اللّه تعالى ومعرفة أفعاله ) ومعاملاته ، ( فيستحقر معها جميع ما مر قبلها ) من اللذات ، ( فكل متأخر فهو أقوى وهذا هو الأخير ، إذ يظهر حب اللعب في سن التمييز وحب النساء والزينة في سن البلوغ وحب الرئاسة بعد العشرين وحب العلوم بقرب الأربعين وهي الغاية العليا ) وما بعد العلوم والمعارف شيء ( وكما أن الصبي يضحك على من يترك اللعب ويشتغل بملاعبة النساء وطلب الرئاسة ، فكذلك الرؤساء يضحكون على من يترك الرئاسة ويشتغل بمعرفة اللّه تعالى ، والعارفون يقولون :إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ