تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
بشر » ، وقد تعجل بعض هذه اللذات في الدنيا لمن انتهى صفاء قلبه إلى الغاية ، ولذلك قال بعضهم : إني أقول يا رب يا اللّه فأجد ذلك على قلبي أثقل من الجبال لأن النداء يكون من وراء حجاب ، وهل رأيت جليسا ينادي جليسه ؟ وقال : إذا بلغ الرجل في هذا العلم الغاية رماه الخلق بالحجارة ؛ أي يخرج كلامه عن حد عقولهم فيرون ما يقوله جنونا وكفرا . فمقصد العارفين كلهم وصله ولقاؤه فقط ، فهي قرة العين التي لا تعلم نفس ما أخفي لهم منها ، وإذا حصلت انمحقت الهموم والشهوات كلها وصار القلب مستغرقا بنعيمها ، فلو ألقي في النار لم يحس بها لاستغراقه ولو عرض عليه نعيم الجنة لم يلتفت إليه
شرح
بلاغا بلفظ : « قال ربكم أعددت لعبادي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » . ( وقد تتعجل بعض هذه اللذات في الدنيا لمن انتهى صفاء قلبه إلى الغاية ، ولذلك قال بعضهم : إني ) لأجد الحضور ( فأقول : يا رب أو يا اللّه فأجد ذلك أثقل على قلبي من الجبال ) قيل له : ولم ؟ قال : ( لأن النداء يكون من وراء الحجاب وهل رأيت جليسا ينادي جليسه ) ؟ إنما هي إشارات وملاحظات ومناغات وملاطفات ، فصاحب هذا المقام ممن عجلت له هذه اللذة وقد صدق فيما قال : فإن النداء لا يكون إلا للغائب ، ومن كان الذي يناديه جليسه وأنيسه فيستغني عن نداه كيف وهو مستغرق الهم به ويستأنس له ما جاء في الخبر قال اللّه تعالى : يا موسى أنا جليس من ذكرني ، ويشبه أن يكون هذا مقام رابعة قدس اللّه سرها إذ قالت : وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي وقال صاحب القوت : عقيب الكلام السابق إلا أنه مستبعد أن يقول ومأخوذ عليه أن يكون فقيها بما يقول ، ولا يخرج من موضع القرب وإن وقع عليه الحكم بالقول والفعل ، ولكل مقام مع اللّه تعالى فقد خفي ، ولكل عالم باللّه اللطيف علم لطيف غريب . ( وقال بعضهم : إذا بلغ الرجل في هذا العلم الغاية رماه الخلق بالحجارة ) كما في القوت ولفظه : ولقد قال رجل من أهل المعرفة : إذا بلغ أحدهم من هذا العلم الغاية رماه الخلق بالحجارة ، ( أي يخرج كلامه عن حد عقولهم فيرون ما يقوله جنونا أو كفرا ) زاد صاحب القوت فقال ، وقال آخر : إذا تناهت معارفهم انتهت إلى حيرة ودهشة انتهى . ومن ذلك قول ابن عباس : لو فسرت لكم آية كذا وسماها لرميتموني بالحجارة أي لقلتم : بكفري فإنه لا يرجم بالحجارة إلا من ارتد عن دينه . ( فمقصد العارفين كلهم وصله ولقاؤه فقط فهي قرة العين التي لا تعلم نفس ما أخفي لهم منها ) من أنواع الأنصبة ، ( وإذا حصلت انمحقت الهموم والشهوات كلها وصار القلب مستغرقا بنعيمها ، فلو ألقي في النار لم يحس بها ) ولم يدرك لها ألما ( لاستغراقه ) بكليته ،