واحد المناسبة إلى الاتحاد وقالوا بالحلول ، حتى قال بعضهم : أنا الحق . وضل النصارى في عيسى عليه السلام فقالوا : هو الإله ، وقال آخرون منهم تذرع الناسوت باللاهوت ،
شرح
وإلى ( غالين مسرفين ) تجاوزوا في الحدود ( وجاوزوا حد المناسبة إلى الاتحاد ، وقالوا بالحلول حتى قال بعضهم : أنا الحق ) والقول بالاتحاد باطل لأن قول القائل : إن العبد صار الرب . كلام متناقض في نفسه وحيث يطلق الاتحاد ويقول هو هو لا يكون إلا بطريق التوسع اللائق بعبادة الصوفية والشعراء ، فإنهم لأجل تحسين موقع الكلام في الأفهام يسلكون سبيل الاستعارة كما يقول الشاعر :أنا من أهوى ومن أهوى أناوذلك مؤول عنده ، فإنه لا يعني أنه هو تحقيقا بل كأنه هو فإنه مستغرق الهم كما يكون هو مستغرق الهم بنفسه ، فيعبر عن هذه الحالة بالاتحاد على سبيل التجوز ، ومن لم يجد في القلب إلا جلال اللّه وجماله حتى صار مستغرقا به يصير كأنه هو لا أنه هو تحقيقا ، وفرق بين قولنا هو هو وكأنه هو ، ولكن قد يعبر بقولنا هو هو عن قولنا كأنه هو ، وقول : أنا الحق اشتهر به الحسين بن منصور الحلاج ، وقد أجاب عنه المصنف في المقصد الأسنى فقال : حظ العبد من اسمه تعالى أن يرى نفسه باطلا ولا يرى غير اللّه تعالى حقا ، والعبد وإن كان حقا فليس هو حقا لنفسه ، بل هو حق لغيره وهو اللّه سبحانه وتعالى ، فإنه موجود به بلا بذاته بل هو بذاته باطل لولا إيجاد الحق له ، فقد أخطأ من قال : أنا الحق إلا بأحد وجهين :
أحدهما : أن يعني أنه بالحق وهذا بعيد لأن اللفظ ينبيء عنه ، ولأن ذلك لا يخصه بل كل شيء سوى فهو بالحق .
الثاني : أن يكون مستغرقا بالحق حتى لا يكون فيه متسع لغيره وما أخذ كلية الشيء واستغراقه فقد يقال : إنه هو فإن جاوزت هذين التأويلين إلى الاتحاد ، فذلك محال قطعا ، وأما الحلول فهو أيضا باطل ، فإن المفهوم منه أمران :
أحدهما : النسبة التي بين الجسم وبين مكانه الذي يكون فيه ، وذلك لا يكون إلا بين جسمين فالبريء عن معنى الجسمية يستحيل في حقه ذلك .
والثاني : النسبة التي بين العرض والجوهر ، فإن العرض يكون قوامه بالجوهر فقد يعبر بأنه حال فيه ، وذلك محال على كل ما قوامه بنفسه ، فدع عنك ذكر الرب تعالى في هذا المعرض فإن كل ما قوامه بنفسه يستحيل أن يحل فيما قوامه بنفسه إلا بطريق المجاورة الواقعة بين الأجسام ، فلا يتصور الحلول بين عبدين ، فكيف يتصور بين العبد والرب ؟
( وضل النصارى في عيسى عليه السلام فقالوا : هو اللّه ) وقد غلطوا في ذلك ومنشأ غلطهم أنهم نظروا إلى كمال ذاته وقد تزين بما تلألأ فيه من حلية الحق فظنوا أنه هو الإله . ( وقال آخرون ) منهم : ( تدرع الناسوت باللاهوت ، وقال آخرون : اتحد به ) أي اتحد الناسوت