تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
اعلم أن اللذات تابعة للإدراكات ، والإنسان جامع لجملة من القوى والغرائز ، ولكل قوّة وغريزة لذة ولذتها في نيلها لمقتضى طبعها الذي خلقت له فإن هذه الغرائز ما ركبت في الإنسان عبثا بل ركبت كل قوة وغريزة لأمر من الأمور هو مقتضاها بالطبع . فغريزة الغضب خلقت للتشفي والانتقام فلا جرم لذتها في الغلبة والانتقام الذي هو مقتضى طبعها ، وغريزة شهوة الطعام مثلا خلقت لتحصيل الغذاء الذي به القوام فلا جرم لذتها في نيل هذا الغذاء الذي هو مقتضى طبعها وكذلك لذة السمع والبصر والشم في الابصار والاستماع والشم ، فلا تخلو غريزة من هذه الغرائز عن ألم ولذة بالإضافة إلى مدركاتها . فكذلك في القلب غريزة تسمى النور الإلهي لقوله تعالى :
أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ
[ الزمر : 22 ] وقد تسمى العقل وقد تسمى البصيرة الباطنة وقد تسمى نور الإيمان واليقين ، ولا معنى للاشتغال بالأسامي فإنّ الاصطلاحات مختلفة ، والضعيف يظنّ أنّ الاختلاف واقع في المعاني لأن الضعيف يطلب
شرح
( اعلم ) أرشدك اللّه تعالى ( أن اللذات ) بأسرها ( تابعة للإدراكات ، والإنسان ) بحقيقته ( جامع لجملة من القوى والغرائز ) خلقت فيه لتمام حقيقة الانسانية ، ( ولكل قوّة وغريزة ) منها ( لذة ) يدرك الملائم من حيث أنه ملائم ( ولذتها في نيلها لمقتضى طبعها الذي خلقت له ، فإن هذه الغرائز ما ركبت في الإنسان عبثا ) لا فائدة فيها ولا حكمة ، ( بل ركبت كل قوة وغريزة لأمر من الأمور هو مقتضاها بالطبع ، فغريزة الغضب خلقت للتشفي والانتقام ) من المغضوب عليه ، ( فلا جرم لذتها في الغلبة والانتقام الذي هو مقتضى طبعها ، وغريزة شهوة الطعام مثلا خلقت لتحصيل الغذاء الذي به القوام ) للبدن ، ( فلا جرم لذتها في نيل هذا الغذاء الذي هو مقتضى طبعها ، وكذلك لذة السمع والبصر والشم في الأبصار والاستماع والشم ) ، وكذلك حصول المرجو عند القوة الوهمية والأمور الماضية عند القوة الحافظة يلتذ بتذكرها ، ( فلا تخلو غريزة من هذه الغرائز عن ألم ولذة ) فما كان ملائما يسمى لذة وما لا فألما وكل ذلك ( بالإضافة إلى مدركاتها ، فكذلك في القلب غريزة تسمى النور الإلهي ) والفيض القدسي ( لقوله تعالىأَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) فذلك النور هو الذي ينفسح له الصدر فيتنور بأشعة ، ( وقد تسمى العقل ) وقد يسمى عين القلب ، وقد يسمى الروح ، وقد يسمى النفس الانساني ، ( وقد تسمى البصيرة الباطنة ، وقد تسمى نور الإيمان واليقين ) وكل ذلك تعبيرات عن عين في القلب منزهة عن نقائص العين الظاهرة ، ( ولا معنى للاشتغال بالأسامي ) المختلفة ، ( فإنّ الاصطلاحات مختلفة ) ولا مشاحة فيها ، ( والضعيف ) البصيرة ربما ( يظن أن الاختلاف واقع في المعاني ) فيتوهم كثرتها بكثرة أساميها ، ( لأن الضعيف شأنه ) أبدا ( يطلب المعاني من الألفاظ وهو عكس الواجب ) فإن