تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
فقد تحزب الناس فيه إلى قاصرين مالوا إلى التشبيه الظاهر وإلى غالين مسرفين جاوز
شرح
وفؤاده الذي يعقل به ، ولسانه الذي يتكلم به ، وإن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته » الحديث . وروى ابن السنى في الطب حديث ميمونة « قال اللّه تعالى : ما تقرب إلى العبد بمثل أداء فرائضي وأنه ليتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت رجله التي يمشي بها ويده التي يبطش بها ولسانه الذي ينطق به وقلبه الذي يعقل به ، إن سألني أعطيته وإن دعاني أجبته » . ويروى في حديث أنس « وما تعبد إلي عبدي المؤمن بمثل الزهد في الدنيا ، ولا تقرب عبدي المؤمن بمثل أداء ما افترضت عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا » . الحديث رواه بطوله ابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء ، والحكيم وابن مردويه ، وأبو نعيم في الحلية ، والبيهقي في الأسماء ، وابن عساكر . وقال المصنف في مشكاة الأنوار : منتهى معراج الخلائق مملكته الفردانية ، فليس وراء ذلك مرقى إذ لا يتصور إلا بكثرة ، فإنه نوع إضافة يستدعي بأنه الارتقاء وما إليه الارتقاء ، وإذا ارتفعت الكثرة خفت الوحدة وبطلت الإضافة وطاحت الإشارة ، فلم يبق علو ولا سفل ولا نازل ولا مرتقى ، فاستحال الترقي واستحال العروج فليس وراء الأعلى علو ولا مع الوحدة كثرة ولا مع انتفاء الكثرة عروج ، فإن كان من تغير حال فبالنزول إلى السماء الدنيا أعني بالإشراق من علو إلى أسفل لأن الأعلى له أسفل وليس له أعلى ، فهذه غاية الغايات ومنتهى الطلبات يعلمه من يعلمه وينكره من يجهله ، وهو من العلم الذي هو كهيئة المكنون الذي لا يعلمه إلا العلماء باللّه ، فإذا نطقوا به لم ينكره إلا أهل الغرة باللّه ، ولا يبعد أن قال العلماء : إن النزول إلى السماء الدنيا هو نزول ملك ، فقد توهم بعض العارفين ما هو أبعد منه إذ قال : هذا المستغرق بالفردانية أيضا نزول إلى السماء الدنيا ، وأن ذلك هو نزوله إلى استعمال الحواس أو تحريك الأعضاء ، وإليه الإشارة في الخبر صرت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ، وإذا كان هو سمعه وبصره ولسانه فهو السامع والباصر والناطق إذا لا غيره ، وإليه الإشارة بقوله : « مرضت فلم تعدني » الحديث . فحركات هذا الموحد من السماء الدنيا وإحساساته كالسمع والبصر من سماء فوقه وعقله فوق ذلك وهو يترقى من سماء العقل في منتهى معراج الخلائق ومملكة الفردانية إلى سبع طبقات ، ثم بعده يستوي على عرش الوحدانية ومنه يدبر الأمر لطبقات سماواته ، فربما نظر الناظر إليه فأطلق القول بأن اللّه خلق آدم على صورة الرحمن إلى أن يمعن النظر فيه فيعلم أن ذلك له تأويل كقوله : أنا الحق وسبحاني ، بل كقوله : مرضت فلم تعدني وكنت سمعه وبصره ولسانه . ( ( وهذا موضع يجب قبض عنان القلم فيه ) فما يطيق الناس من هذا الفن أكثر من هذا المقدار ، ( فقد تحزّب الناس فيه إلى قاصرين مالوا إلى التشبيه الظاهر ) فلم يفهموا من الصورة إلا الصورة الظاهرة المدركة بالحواس ، وكذا في النزول إلى السماء الدنيا وأضراب ذلك