تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
بل أكثرهم لا يعلمون . فالحب بهذا السبب أقوى من الحب بالإحسان لأنّ الإحسان يزيد وينقص . ولذلك أوحى اللّه تعالى إلى داود عليه السلام : إنّ أود الأوداء إلى من عبدني بغير نوال لكن ليعطي الربوبية حقها . وفي الزبور : من أظلم ممن عبدني لجنة أو نار لو لم أخلق جنة ولا نارا لم أكن أهلا أن أطاع . ومرّ عيسى عليه السلام على طائفة من العباد قد نحلوا فقالوا : نخاف النار ونرجو الجنة فقال لهم : مخلوقا خفتم ومخلوقا رجوتم ، ومرّ بقوم آخرين كذلك فقالوا : نعبده حبا له وتعظيما لجلاله فقال : أنتم أولياء اللّه حقا معكم أمرت أن أقيم . وقال أبو حازم : إني لأستحيي أن أعبده للثواب والعقاب فأكون كالعبد السوء إن لم يخف لم يعمل ، وكالأجير السوء ، إن لم يعط لم يعمل . وفي الخبر : « لا
شرح
يعلمون ) ، والحاصل أنه إذا ثبت أنه جميل وجليل فكل جميل فهو محبوب ومعشوق عند مدرك جماله ، ولذلك كان اللّه محبوبا ولكن عند العارفين المنكرون لهذا جاهلون ، ومن جهل شيئا عاداه ، وهذا كما تكون الصورة الجميلة الظاهرة محبوبة ولكن عند المبصرين لا عند العميان ، ( فالحب بهذا السبب أقوى من الحب بالإحسان لأن الإحسان يزيد وينقص ، وكذلك أوحى اللّه تعالى إلى داود عليه السلام أنا أود الأوداء ) أي أكثرهم ودّا ( إلى من عبدني بغير نوال ) أي عطاء ، ( لكن ليعطي الربوبية حقها ) كذا في القوت ، ( وفي الزبور ) فيما نقله ابن منبه : ( ومن أظلم ممن عبدني لجنة أو نار ) أي رجاء أو خوفا ( لو لم أخلق جنة ولا نارا ألم أكن أهلا أن أطاع ) كذا في القوت ( ومر عيسى عليه السلام على طائفة من العباد قد نحلوا ) وتغيرت ألوانهم فسألهم عن حالهم ( فقالوا : نخاف النار ، و ) مر على آخرين فرآهم كذلك وسألهم فقالوا : ( نرجو الجنة فقال لهم مخلوقا خفتم ومخلوقا رجوتم ، ومر بقوم آخرين ) فرآهم ( كذلك ) فسألهم ( فقالوا : نعبده حبا له وتعظيما لجلاله ، فقال : أنتم أولياء اللّه حقا معكم أمرت أن أقيم ) وقد مر هذا قريبا بأبسط مما هنا ، وفيه فقال لهم : أنتم المقربون أنتم المقربون ، وقد ذكره صاحب القوت باللفظين . ( وقال أبو حازم ) سلمة بن دينار الأعرج التابعي العابد رحمه اللّه تعالى : ( إني لأستحيي أن أعبده للثواب والعقاب فأكون كالعبد السوء إن لم يخف لم يعمل وكالأجير السوء إن لم يعط لم يعمل ) نقله صاحب القوت فقال : وممن أقيم في هذا المقام جماعة من التابعين منهم أبو حازم المدني كان يقول : إني لأستحيي من ربي أن أعبده للثواب ، فأكون كالأجير السوء إن لم يعط أجر عمله لم يعمل ولكن اعبده محبة له . رواه أبو نعيم في الحلية عن أبي بكر الآجري ، حدثنا عبد اللّه بن محمد العطشي ، حدثنا إبراهيم ابن الجنيد ، حدثنا أحمد بن إبراهيم بن كثير ، والهيثم بن جميل قال : سمعت سفيان بن عيينة يقول ، قال أبو حازم : إني لأستحيي من ربي عز وجل أن أسأله شيئا فأكون كالأجير إذا عمل طلب أجره ولكن اعمل تعظيما له . ( وفي الخبر : « لا يكونن أحدكم كالأجير السوء إن لم يعط أجرا لم يعمل ولا كالعبد