تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
يطأ أرضه إلا من يقرب إلى شبه من الملائكة ، فينظر فيه بقدر قربه في الصفات من الملائكة ويقصر عنه بقدر انحطاطه إلى حضيض عالم البهائم . وأما السبب الثاني : وهو حبه من أحسن إليه فواساه بماله ولاطفه بكلامه وأمدّه بمعونته وانتدب لنصرته وقمع أعدائه وقام بدفع شر الأشرار عنه وانتهض وسيلة إلى جميع حظوظه وأغراضه في نفسه وأولاده وأقاربه فإنه محبوب لا محالة عنده ، وهذا بعينه يقتضي أن لا يحب إلا اللّه تعالى فإنه لو عرف حق المعرفة لعلم أن المحسن إليه هو اللّه تعالى فقط ، فأما أنواع إحسانه إلى كل عبيده فلست أعدّها إذ ليس يحيط بها حصر حاصر كما قال تعالى :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
[ النحل : 18 ] وقد أشرنا إلى طرف منه في كتاب الشكر ، ولكنا نقتصر الآن على بيان أن الإحسان من الناس غير
شرح
أرضه إلا من يقرب إلى شبه من الملائكة فينظر فيه بقدر قربه في الصفات من الملائكة ويقصر عنه بقدر انحطاطه إلى حضيض عالم البهائم ) . اعلم أن في عالم الملكوت عجائب يستحقر بالإضافة إليها عالم الشهادة ، ومن لم يسافر إلى هذا العالم وقعد به القصور في حضيض عالم الشهادة فهو بهيمة بعد ومحروم عن خاصية الإنسانية بل أضل من البهيمة ، إذ لم تستعد البهيمة أجنحة للطيران إلى هذا العالم ، وعالم الشهادة بالإضافة إلى عالم الملكوت كالقشرة بالإضافة إلى اللب ، وكالصورة والقالب بالإضافة إلى الروح ، وكالظلمة بالإضافة إلى النور ، وكالسفل بالإضافة إلى العلو ، والملائكة من جملة عالم الملكوت عاكفون في حضرة القدس ، ومنها يشرفون إلى العالم الأسفل ، والملك عبارة عن موجود مقدس عن الشهوة والغضب فليست أفعاله بمقتضاهما بل داعية إلى طلب القرب إلى اللّه تعالى ، فمن غلب الشهوة والغضب حتى ملكهما وضعفا عن تحريكه وتسكينه أخذ بذلك شبها من الملائكة ، وكذلك إن فطم نفسه عن الجمود والخيالات والمحسوسات وأنس بالإدراك أخذ شبها من الملائكة ، فإن خاصة الحياة الإدراك والفعل وإليهما يتطرق النقصان والتوسط والكمال ، ومهما اقتدى بالملائكة في هاتين الخاصتين كان أبعد عن البهيمة . وأما السبب الثاني : وهو حبه من أحسن إليه فواساه بماله ولاطفه بكلامه وأمدّه بمعونته وانتدب لنصرته وقمع أعداءه وقام بدفع شر الأشرار عنه وانتهض وسيلة إلى جميع حظوظه وأغراضه في نفسه وأولاده وأقاربه فإنه محبوب لا محالة عنده ، وهذا بعينه يقتضي أن لا يحب إلا اللّه وحده ، ( فإنه لو عرفه حق المعرفة لعلم أن المحسن إليه هو اللّه فقط ، فأما أنواع إحسانه إلى كل عبيده فلست أعدّها إذ ليس يحيط بها حصر حاصر كما قال تعالى ) في كتابه العزيز : (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها) أي لا تقدروا على إحصائها ، ( وقد أشرنا إلى طرف منه في كتاب الشكر ) فلا نعيده ، ( ولكنا نقتصر الآن على بيان أن الإحسان من