تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
الأصل الثالث : إن الإنسان لا يخفى أنه يحب نفسه ولا يخفى انه قد يحب غيره لأجل نفسه ، وهل يتصوّر أن يحب غيره لذاته لا لأجل نفسه ؟ هذا مما قد يشكل على الضعفاء حتى يظنون أنه لا يتصوّر أن يحب الإنسان غيره لذاته ما لم يرجع منه حظ إلى المحب سوى إدراك ذاته . والحق أن ذلك متصوّر وموجود ، فلنبين أسباب المحبة وأقسامها ، وبيانه أن المحبوب الأوّل عند كل حي نفسه وذاته ، ومعنى حبه لنفسه أن في طبعه ميلا إلى دوام وجوده ، ونفرة عن عدمه وهلاكه ، لأن المحبوب بالطبع هو الملائم للمحب ، وأي شيء أتم ملاءمة من نفسه ودوام وجوده ؟ وأي شيء أعظم مضادة ومنافرة له من عدمه وهلاكه ؟ فلذلك يحب الإنسان دوام الوجود ويكره الموت والقتل ، لا لمجرد ما يخافه بعد الموت ولا لمجرد الحذر من سكرات الموت ، بل لو اختطف من غير ألم وأميت من غير ثواب ولا عقاب لم يرض به وكان كارها لذلك ، ولا يحب الموت والعدم المحض إلا لمقاساة ألم في الحياة . ومهما كان مبتلى ببلاء فمحبوبه زوال البلاء ، فإن أحب العدم لم يحبه لأنه عدم بل لأن فيه زوال البلاء ، فالهلاك والعدم ممقوت ودوام الوجود محبوب . وكما أن دوام الوجود محبوب فكمال الوجود أيضا محبوب لأن الناقص فاقد للكمال ، والنقص عدم بالإضافة إلى القدر المفقود وهو هلاك بالنسبة إليه . والهلاك والعدم ممقوت في الصفات . وكمال الوجود كما أنه ممقوت في أصل الذات ووجود
شرح
( الأصل الثالث : أن الإنسان لا يخفى أنه يحب نفسه ) أي يميل إليها بالطبع والضرورة ، ( ولا يخفى أنه قد يحب غيره لأجل نفسه ) لا لذاته ، ( وهل يتصوّر أن يحب غيره لذاته لا لأجل نفسه ، هذا مما قد يشكل على الضعفاء حتى يظنوا أنه لا يتصور أن يحب الإنسان غيره لذاته ما لم يرجع إليه حظ إلى المحب سوى إدراك ذاته ، والحق أن ذلك متصور وموجود ؛ فلنبين أسباب المحبة وأقسامها وبيانه أن المحبوب الأوّل عند كل حي نفسه وذاته ، ومعنى حبه لنفسه أن في طبعه ميلا إلى دوام وجوده ونفرة عن عدمه وهلاكه ، فلذلك يحب الإنسان دوام الوجود ويكره الموت والقتل لا لمجرد ما يخافه بعد الموت ولا لمجرد الحذر من سكرات الموت ، بل لو اختطف من غير ألم ) يلحقه ( وأميت من غير ثواب ولا عقاب لم يرض به وكان كارها لذلك ، و ) إذا فرض أنه أحب الموت فإنه ( لا يحب الموت والعدم المحض إلا لمقاساة ألم في الحياة ) لا يجد له دفعا ، ( ومهما كان مبتلى ببلاء فمحبوبه زوال البلاء ) عنه ، ( فإن أحب العدم ) لذلك ( لم يحبه لأنه عدم بل لأن فيه زوال البلاء ، فالهلاك والعدم ممقوت ) أي مبغوض ، ( ودوام الوجود محبوب ، وكما أن دوام الوجود محبوب فكمال الوجود أيضا محبوب لأن الناقص فاقد للكمال ، والعدم نقص بالإضافة إلى المفقود وهو هلاك بالنسبة إليه ، والهلاك والعدم ممقوت في الصفات وكمال