تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
فالبصيرة الباطنة أقوى من البصر الظاهر ، والقلب أشد إدراكا من العين ، وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصور الظاهرة للأبصار ، فتكون لا محالة لذة القلب بما يدركه من الأمور الشريفة الإلهية التي تجل عن أن تدركها الحواس أتم وأبلغ ، فيكون ميل الطبع السليم والعقل الصحيح إليه أقوى ، ولا معنى للحب إلا الميل إلى ما في إدراكه لذة - كما سيأتي تفصيله - فلا ينكر إذا حب اللّه تعالى إلا من قعد به القصور في درجة البهائم فلم يجاوز إدراك الحواس أصلا .
شرح
بالقلب أو بما شئت من العبارات فلا مشاحة فيها ) أي لا مضايقة وهو مفاعلة من الشح ، وقد فسر قوله تعالى :لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ[ ق : 37 ] تارة بالعقل وتارة بالنور المنبسط في القلب ، والأول أكثر وبه يتميز عن درجة البهائم فإنه به يكمل فعله لأنه يدعو إلى أفعال مخالفة لمقتضى الشهوة والغضب ، بخلاف البهائم ففي فعلها نقص لكونه مقصورا على مقتضاهما كما أن في إدراكها نقصا ، ( وهيهات فالبصيرة الباطنة أقوى من البصر الظاهر ) فإنها هي القوة المنورة بنور القدس ترى حقائق الأشياء وبواطنها وهي التي تسمى بالقوة القدسية ، وأما البصر الظاهر فهو للنفس ترى به صور الأشياء وظواهرها ، ( والقلب ) المنور بالنور القدسي ( أشد إدراكا من العين ، وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصور الظاهرة للأبصار ، فتكون لا محالة لذة القلب بما يدركه من الأمور الشريفة الإلهية التي تجل عن أن تدركها الحواس أتم وأبلغ ، فيكون ميل الطبع السليم والعقل الصحيح إليه أقوى ، ولا معنى للحب إلا الميل إلى ما في إدراكه لذة - كما سيأتي تفصيله - فلا ينكر إذا حب اللّه تعالى إلا من قعد به القصور في درجة البهائم فلا يجاوز إدراك الحواس أصلا ) . وقد أفصح المصنف عن هذا المقام في كتابه مشكاة الأنوار فقال : اعلم أن نور البصر موسوم بأنواع من النقصان ، فإنه يبصر غيره ولا يبصر نفسه ولا يبصر ما بعد منه ولا ما قرب ولا يبصر ما هو وراء حجاب ، ويبصر من الأشياء ظاهرها دون باطنها ، ويبصر من الموجودات بعضها دون كلها ، ويبصر أشياء متناهية ولا يبصر ما لا نهاية له ، ويغلط كثيرا في ابصاره فيرى الكبير صغيرا ويرى البعيد قريبا والساكن متحركا والمتحرك ساكنا ، فهذه سبع نقائض تفارق العين الظاهرة وفي قلب الإنسان عين هذه صفة كمالها وهي التي يعبر عنها تارة بالعقل وتارة بالروح وتارة بالنفس الانساني ، ودع عنك هذه العبارات فإنها إذا كثرت أوهمت عند الضعيف البصيرة كثرة المعاني فنعني به المعنى الذي يتميز به العاقل عن الطفل الرضيع وعن البهيمة وعن المجنون ، ونسميه عقلا متابعة للجمهور في الاصطلاح فنقول : العقل أولى بأن يسمى نورا من العين الظاهرة لرفعة قدره عن النقائض السبع . أما الأولى : فهو أن العين لا تبصر نفسها والعقل يدرك غيره ويدرك نفسه ويدرك صفات نفسه ويدرك علم نفسه بل بعلمه بعلم نفسه إلى غير نهاية ، وهذه خاصية لا تتصور لما يدرك بآلة الأجسام .