شرح
« الثانية : أن العين لا تبصر ما بعد منها ولا ما قرب قربا مفرطا والعقل يستوي عنده القريب والبعيد ، ويعرج في طرفه إلى أعلى السماوات رقيا ، وينزل في لحظة إلى تخوم الأرضين هويا .
الثالثة : أن العين لا تدرك إلا ما ليس وراء الحجاب ، والعقل يتصرف فيما وراء حجب السماوات وفي الملأ الأعلى كتصرفه في عالمه الخاص به ، بل الحقائق لا تحجب عن العقل ، وإنما حجاب العقل حيث يحجب من نفسه لنفسه بسبب صفات بين مقاربة له تضاهي لحجاب العين من نفسه عند تغميض الأجفان .
الرابعة : أن العين تدرك من الأشياء ظاهرها وسطحها الأعلى دون باطنها ، بل قوالبها وصورها دون حقائقها ، والعقل يتغلغل إلى بواطن الأشياء وأسرارها ويدرك حقائقها وأرواحها ويستنبط سببها وعملها وحكمتها وأنها مم حدثت وكيف خلقت ولم خلقت وعلى أي مرتبة في الوجود نزل وما نسبته إلى سائر مخلوقاته .
الخامسة : أن العين تبصر بعض الموجودات إذ تقصر عن جميع المعقولات وعن كثير من المحسوسات ، ولا تدرك الأصوات ولا الروائح ولا الطعوم والحرارة والبرودة والقوى المدركة ، أعني السمع والبصر والشم والذوق ، بل الصفات الباطنة النفسانية كالفرح والسرور والغم والألم واللذة والعشق والشهوة والقدرة والإرادة والعلم إلى غير ذلك من موجودات لا تحصى ، فهو ضيق المجال منحصر المجرى لا تسعه مجاوزة عالم الألوان والأشكال وهما أخس الموجودات ، فإن الأجسام في أصلها أخس أقسام الموجودات ، والألوان والأشكال من أخس أعراضها ، والموجودات كلها مجال للعقل فيتصرف في جميعها ويحكم عليها حكما يقينيا صادقا ، فالاسرار الباطنة عنده ظاهرة والمعاني الخفية عنده جلية ، فمن أين للعين الظاهرة مجاراته ومساواته .
السادسة : أن العين لا تبصر ما لا نهاية له فإنها تبصر صفات الأجسام والأجسام لا تتصور واللامتناهية والعقل يدرك المعقولات والمعقولات لا تتصور أن تكون متناهية ، بل يدرك علمه بالشيء فقوته في هذا الوجه لا تقف عند نهاية .
السابعة : أن العين تبصر الكبير صغيرا ، فترى الشمس في مقدار صحن ، والكواكب في صور دنانير منثورة على بساط أزرق ، والعقل يدرك أن الكواكب والشمس أكبر من الأرض أضعافا مضاعفة ، وترى الكواكب ساكنة بل ترى الظل بين يديه ساكنا ، وترى الصبي ساكنا في مقداره والعقل يدرك أن الصبي في النمو والتزايد على الدوام والظل متحرك دائما ، والكواكب تتحرك في لحظة أميالا كثيرة وأنواع غلط البصر كثيرة والعقل منزه عنها .
فإن قلت : نرى العقلاء يغلطون في نظرهم ، فاعلم أن فيهم خيالات وأوهاما واعتقادات يظنون أن أحكامها أحكام العقل ، فالغلط منسوب إليها ، فأما العقل إذا تجرد من غشاوة الوهم والخيال لم يتصور أن يغلط بل يرى الأشياء على ما هي عليه . انتهى المقصود منه .