الملتذ به . ومعنى كونه محبوبا أن في الطبع ميلا إليه ، ومعنى كونه مبغوضا أن في الطبع نفرة عنه . فالحب عبارة عن ميل الطبع إلى الشيء الملذ ، فإن تأكد ذلك الميل وقوي سمي عشقا . والبغض عبارة عن نفرة الطبع عن المؤلم المتعب ، فإذا قوي سمي مقتا فهذا أصل في حقيقة معنى الحب لا بدّ من معرفته .
الأصل الثاني : إن الحب لما كان تابعا للإدراك والمعرفة انقسم لا محالة بحسب انقسام المدركات والحواس فلكل حاسة إدراك النوع من المدركات ، ولكل واحد منها لذة في بعض المدركات ، وللطبع بسبب تلك اللذة ميل إليها فكانت محبوبات عند الطبع السليم . فلذة العين في الإبصار وإدراك المبصرات الجميلة والصور المليحة الحسنة المستلذة ،
شرح
الملتذ به ، ومعنى كونه محبوبا أن في الطبع ميلا إليه : ومعنى كونه مبغوضا أن في الطبع نفرة عنه ، فالحب عبارة عن ميل الطبع إلى الشيء الملذ فإن تأكد ذلك الميل وقوي سمي عشقا ، والبغض عبارة عن نفرة الطبع عن المؤلم المتعب فإذا قوي سمي مقتا ) ، وهذا قد صرح به أئمة اللغة قالوا : العشق أشد الحب والمقت أشد البغض ، ثم إن العشق هو سابع مرتبة من مراتب الحب ، إذ مراتب الحب عشرة . أولها : العلاقة ، ثم الإرادة ، ثم الصبابة ، ثم الغرام وهو حب لازم للقلب ملازمة الغريم لغريمه ، ثم الود وهو صفو المحبة وخالصها ولبها ، ثم الشغف وهو وصول الحب إلى شغاف قلبه وهو جلدة رقيقة على القلب ، ثم العشق وهو الحب المفرط الذي يخاف على صاحبه منه ، وبه فسر :وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ[ البقرة : 286 ] ثم التيم وهو التذلل في الحب ، ثم التعبد وهو فوق التيم ، فإن العبد الذي ملك المحبوب رقه فلم يبق له شيء من نفسه البتة ، بل كله لمحبوبه ظاهرا وباطنا ، والمرتبة الآخرة الخلة التي انفرد بها الخليلان إبراهيم ومحمد صلّى اللّه عليه وسلم وهي المحبة التي تخللت قلبه حتى لم يبق فيه موضع لغير محبوبه ( فهذا أصل في حقيقة معنى الحب لا بد من معرفته ) وهو الأول .
( الأصل الثاني : أن الحب لما كان تابعا للإدراك والمعرفة انقسم لا محالة بحسب انقسام المدركات والحواس ، فلكل حاسة ) من الحواس الخمس ( إدراك النوع من المدركات ، ولكل واحد منها لذة في بعض المدركات ) دون بعض ، ( وللطبع بسبب تلك اللذة ميل إليها فكانت ) تلك المدركات ( محبوبات عند الطبع السليم ) عن النقص ، ( فلذة العين في الإبصار وإدراك المبصرات الجميلة والصور المليحة الحسنة المستلذة ) فهي لا تكاد تفتر عن النظر إليها ، ( ولذة الأذن في النغمات الطيبة الموزونة ) والألحان المستملحة فلها تعشق في ذلك ، ولو كانت تلك النغمات من غير جميل الصورة ، وقد تكون مع جمال الصور فيلتذ كل من العين والبصر ، ومن ذلك سماع محاسن الأوصاف من رجل لم يقع عليه البصر ، وإليه الإشارة بقول القائل :
والأذن تعشق قبل العين أحيانا .