الإنسان إلا ما يعرفه ، ولذلك لم يتصوّر أن يتصف بالحب جماد بل هو من خاصية الحي المدرك . ثم المدركات في انقسامها تنقسم إلى ما يوافق طبع المدرك ويلائمه ويلذه ، وإلى ما ينافيه وينافره ويؤلمه ، وإلى ما لا يؤثر فيه بإيلام والذاذ . فكل ما في إدراكه لذة وراحة فهو محبوب عند المدرك ، وما في إدراكه ألم فهو مبغوض عند المدرك وما يخلو عن استعقاب ألم ولذة فلا يوصف بكونه محبوبا ولا مكروها . فإذا كل لذيذ محبوب عند
شرح
الثالث : للزوال والثبات ومنه حبب البعير وأحب إذا برك فلم يقم .
الرابع : اللباب والخلوص ومنه حبة القلب للبه وداخله ومنه الحبة لواحدة الحبوب إذ هي أصل الشيء ومادته وقوامه .
الخامس : الحفظ والإمساك ومنه حب الماء الذي يحفظه فيه ويمسكه وفيه معنى الثبوت أيضا ، ولا ريب أن هذه الخمسة من لوازم المحبة فإنها صفاء المودة وهيجان إرادة القلب وعلوها وظهورها منه لتعلقها بالمحبوب المراد وثبوت إرادة القلب للمحبوب ولزومها لزوما لا يفارق ، ولإعطاء المحب محبوبه لبه وأشرف ما عنده وهو قلبه ، ولاجتماع عزماته وإراداته وهمومه على محبوبه ، فاجتمعت فيها المعاني الخمسة ووضعوا لمعناها حرفين مناسبين للشيء غاية المناسبة ، الحاء التي هي من أقصى الحلق ، والباء للشفة التي هي نهاية ، فللحاء الابتداء ، وللباء الانتهاء ، وهذا شأن المحبة وتعلقها بالمحبوب فإن ابتداءها منه وانتهاءها إليه ، وأعطوا الحب حركة الضم التي هي أشد الحركات وأقواها مطابقة لشدة حركة مسماه وقوتها ، وأعطوا الحب وهو المحبوب حركة الكسر وذلك لخفة ذكر المحبوب على قلوبهم وألسنتهم مع إعطاء حكم نظائره ، كنهد وذبح للمنهود والمذبوح ؛ فتأمل هذه المطابقة والمناسبة العجيبة بين اللفظ والمعنى يطلعك على قدر هذه اللغة الشريفة وأن لها لشأنا ليس كسائر اللغات .
ثم ينبغي بعد معرفة ذلك أن ( يتحقق أنه لا يتصور محبة إلا بعد معرفة وإدراك إذ لا يحب الانسان إلا ما يعرفه ) وما لا يعرفه كيف يحبه ، ( ولذلك لم يتصور أن يتصف بالحب جماد ، بل هو من خاصية الحي المدرك ) هذا قول الأكثرين . وكان سمنون يقدم المحبة على المعرفة كما نقله القشيري أي لكمال شغل العارف بمعروفه واستغراقه في مناجاته حتى يفنى عن نفسه ، والمحبون تبقى معهم بقايا يتنعمون فيها بمحبوبهم ، وكل من القولين صحيح باعتبار التوجهين ، وقد أشار القشيري إلى ترجيح قول سمنون حيث قال : وعند محققيهم المحبة استهلاك في لذة ، والمعرفة شهود في حيرة وفناء في هيبة فتأمل .
( ثم المدركات في انقسامها تنقسم إلى ما يوافق طبع المدرك ويلائمه ويلذه ، وإلى ما ينافيه وينافره ويؤلمه ، وإلى ما لا يؤثر فيه بإيلام والذاذ ، فكل ما في إدراكه لذة وراحة فهو محبوب عند المدرك ، وما في إدراكه ألم فهو مبغوض عند المدرك وما يخلو عن استعقاب ألم ولذة فلا يوصف بكونه محبوبا ولا مكروها ، فإذا كل لذيذ محبوب عند