صغيرا أخذتني إليك وسربلتني بمعرفتك وأمكنتني من لطفك ونقلتني في الأحوال وقلبتني في الأعمال سترا وتوبة وزهدا وشوقا ورضا وحبا تسقيني من حياضك وتهملني في رياضك ملازما لأمرك ومشغوفا بقولك ، ولما طر شاربي ولاح طائري فكيف أنصرف اليوم عنك كبيرا وقد اعتدت هذا منك صغيرا ، فلي ما بقيت حولك دندنة وبالضراعة إليك همهمة لأني محب وكل محب بحبيبه مشغوف وعن غير حبيبه مصروف .
وقد ورد في حب اللّه تعالى من الأخبار والآثار ما لا يدخل في حصر حاصر وذلك أمر ظاهر ، وإنما الغموض في تحقيق معناه فليشتغل به .
بيان حقيقة المحبة وأسبابها وتحقيق معنى محبة العبد للّه تعالى : اعلم أن المطلب من هذا الفصل لا ينكشف إلا بمعرفة حقيقة المحبة في نفسها ، ثم معرفة شروطها وأسبابها ثم النظر بعد ذلك في تحقيق معناها في حق اللّه تعالى .
فأوّل ما ينبغي أن يتحقق أنه لا يتصوّر محبة إلا بعد معرفة وإدراك ، إذ لا يحب
شرح
كان يخاطب به مولاه : ( إلهي إني مقيم بفنائك مشغول بثنائك ، صغيرا أخذتني إليك وسربلتني بمعرفتك وأمكنتني من لطفك ونقلتني في الأحوال وقلبتني في الأعمال سترا وتوبة وزهدا وشوقا ورضا وحبا ، تسقيني من حياضك وتهملني في رياضك ، ملازما لأمرك ومشغوفا بقولك ولما طر شاربي ) أي بقل ( ولاح طائري ، فكيف انصرف عنك اليوم كبيرا وقد اعتدت هذا منك صغيرا ، فلي ما بقيت حولك دمدمة وبالضراعة إليك همهمة ) ، والدمدمة الحركة الخفية والهمهمة الصوت الخفي ( لأني أحبك ، وكل محب بحبيبه مشغوف وعن حبيبه مصروف ) ، وله مثل هذا الكلام في الرجاء . وكانت وفاته سنة 358 . ( وقد ورد في حب اللّه تعالى من الأخبار والآثار ما لا يدخل في حصر حاصر ، وذلك أمر ظاهر وإنما الغموض في تحقيق معناه فلنشتغل به ) فإنه أكيد ، واللّه الموفق .