تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
فإن قلت : فلا بد لهذا من شرح بمقدار ما يفهم كيفية ابتناء التوكل عليه . فأقول : أما الرابع فلا يجوز الخوض في بيانه ، وليس التوكل أيضا مبنيا عليه ، بل يحصل حال التوكل بالتوحيد الثالث . وأما الأول : وهو النفاق فواضح ، وأما الثاني : وهو الاعتقاد فهو موجود في عموم المسلمين ، وطريق تأكيده بالكلام ودفع حيل المبتدعة فيه
شرح
أنك تخيل أن يرزق أحد ما لم ترزق أو يخص من المعرفة ما لم تخص ، فإذا تقررت هذه القاعدة فصار ما كشف لقلبه لا يخرج منه وما اطلع عليه لا يغيب عنه في حال من أحواله ، وهذا موجود فيمن كثر اهتمامه بشيء وثبت في قلبه حاله أنه إذا نام واشتغل لم يفقده في شغله ونومه كما لا يفقده في يقظته وفراغه ، ولهذا واللّه أعلم إذا رأى الولي المتمكن في رتبة الصديقية مخلوقا حيا كان أو جمادا صغيرا أو كبيرا لم يره من حيث هو ، وإنما يراه من حيث أوجده اللّه تعالى بالقدرة وميزه بالإرادة على سابق العلم القديم ، ثم أدام القهر عليه في الوجود ، ثم لما كانت الصفات المشهور آثارها في المخلوقات ليست لغير الموصوف الذي هو اللّه عز وجل فني الولي عن غيره وصار لم ير سواه ، ومعنى ذلك أن لا يتميز بالذكر في سر القلب وحين المعرفة ولا بالإدراك في ظاهر الحس دون ما كان موجبا به وصادرا عنه فأنى يبعد هذا على من أصحبه اللّه توفيقه وفتح له منهاجه وطريقه ؟ وعلى هذا جاء المثل في الأحياء برؤية من يرى إنسانا ، والإنسان المرئي لا شك ذو اجزاء كثيرة ثم لا يراه الرائي مع ذلك إلا واحدا ولا يخطر ببالك شيء من اجزائه من حيث أن أجزاء الإنسان الظاهرة لا حراك لها ولا سكون ولا قبض ولا بسط ولا تصرف فيما يظهر إلا بمعاني ما كان إنسانا من أجله وهو الراكب للجسد المستولي على سائر الأجزاء المصدق بقدرة اللّه تعالى للأعضاء الملقب بالروح تارة وبالقلب أخرى ، وقد يعبر عنه بالنفس فإذا رأى اليد من الإنسان مثلا لم يرها من حيث أنها لحم وعصب وعضل وغير ذلك من مجموع أشخاص الجواهر ، وإنما يراها من حيث ما ظهر عليها من آثار صفاته التي هي القدرة والعلم والإرادة والحياة والصفات التي لا تقوم بنفسها دون الموصوف ، فلهذا لم يشاهد غير المعنى الحامل للصفات المشهود أثرها في الأعضاء والجواهر فظهر صحة رؤية الرائي الإنسان واحدا وهو ذو أجزاء كثيرة ، ومثل هذا يعتري الداخلين على الملوك والمحبين مع من شغفوا بحبه من المخلوقين والأمثال غير هذا كثير من هذا المعنى ، وأرجو أن لا يحتاج إليها مع هذا الوضوح ولا فهم إلا باللّه ولا شرح إلا منه ولا نور إلا من عنده ، وله الحول والقوة وهو العلي العظيم ا ه . ما ذكره المصنف في الرد على المعترض ، وقد حذفت منه فصولا كثيرة مما لا تعلق لها بما نحن فيه ، ولنعد إلى شرح كلام المصنف بعون اللّه وتوفيقه . ( فإن قلت : لا بد لهذا من شرح ) وبيان ( بمقدار ما يفهم كيفية ابتناء التوكل عليه ) . ( فأقول : أما الرابع ) الذي هو منتهى المراتب ( فلا يجوز الخوض في بيانه ) لأنه من جملة علوم المكاشفة ، ( وليس التوكل ) الذي نحن فيه ( مبنيا عليه ، بل يحصل التوكل بالتوحيد الثالث . وأما الأول ؛ وهو النفاق واضح ، وأما الثاني وهو الإعتقاد فهو موجود في