تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
شرح
اعتقادهم عن أرباب الحالة الثانية المذكورة قبلهم ، واللّه أعلم بالناجي والهالك من خلقه والمطيع والعاصي من عباده . فصل ولما كان الإعتقاد المجرد عن العلم بصحته ضعيفا وتفرده عن المعرفة مريب ألقى عليه شبه القشر الثاني من الجوز لأن ذلك القشر يؤكل مع ما هو عليه صوان ، وإذا انفرد أمكن أن يكون طعاما للمحتاج وبلاغا للجائع ، وبالجملة فهو لمن لا شيء معه خير من فقده ، وكذلك اعتقاد التوحيد وإن كان مجردا عن سبيل المعرفة وغير منوط بشيء من الأدلة ضعيفا ، فهو في الدنيا والآخرة وعند لقاء اللّه عز وجل خير من التعطيل والكفر .

[ توحيد المقربين ]

بيان المرتبة الثالثة وهي توحيد المقربين : اعلم أن الكلام في هذا النوع من التوحيد له ثلاثة حدود . أحدها : أن نتكلم في الأسباب التي توصل إليه والمسالك التي يعبر عليها نحوه والأحوال التي نتخذها لحصوله ، كما قدره العزيز العليم واختار ذلك ورضيه وسماه الصراط المستقيم . والحد الثاني : أن يكون الكلام في تفسير ذلك التوحيد ونفسه وحقيقته وكيف يتصور السالك إليه والطالب له قبل وصوله إليه وانكشافه له بالمشاهدة . والحد الثالث : في ثمرات ذلك التوحيد وما يلقى أهله به ويطلعون عليه بسببه ويكرمون به لأجله ويتحققون من فوائد المزيد من جهته . فأما الحد الأول : فالكلام عليه والكشف لدقائقه والصغير والكبير مأمور به مشدد في أمره متوعد بالنار على كتمه ، وبه بعث الرسل وأنزلت الكتب ، وجميعه محصور في اثنين العلم بالعبرة والعمل بالسنّة ، وهما مبنيان على اثنين الحرص الشديد والنية الخالصة ، وشرط في تحصيلهما اثنان : نظافة الباطن وسلامة الجوارح ، ويسمى جميع ذلك بعلم المعاملة . وأما الحد الثاني : فالكلام فيه أكثر ما يكون على طريقة ضرب الأمثال تنبيها بالرمز تارة وتارة بالتصريح ، ولكن على الجملة بما يناسب علوم الظواهر ولكن يشرف بذلك اللبيب الحاذق على بعض المراد ويفهم منه كثيرا من المقصد وينكشف له جل ما يشار إليه إذا كان سالما من شرك التصعب ، بعيدا عن هوة الهوى ، نظيفا من دنس التقليد . وأما الحد الثالث : فلا سبيل إلى ذكر شيء منه إلا مع أهله مع علمهم به على سبيل التذاكر لا على سبيل التعليم . والحد الأول قد تقرر علمه في كتب الرواية والدراية ، وهو غير محجوب عن طالب قد أمر الجهال به أن يتعلموه والعلماء به أن يبذلوه فلا نعيد فيه ههنا قولا ، وحكم الحد الثالث الكتم فلم يكن لنا سبيل إلى تعدي محدودات الشرع ، فلنثن العنان إلى الكلام بالذي يليق